وعاود أبو طاهر عدوانه على مكة والحجيج في سنة 317هـ، وكانت هذه المرة أشد من سابقتها، وأكثر إيلامًا وإفسادًا، ففي ذلك العام زحف أبو طاهر القرمطي على مكة، يريد قتل الحجاج وهدم الكعبة، فدخل مكة هو وأصحابه، وأخذوا يقتلون أهاليها، ومن كان فيها من الحجاج من رجال ونساء، وهم متعلقون بأستار الكعبة، وردم بهم زمزم، وفرش بهم المسجد وما يليه، وقتل في سكك مكة وشعابها من أهل خراسان والمغاربة وغيرهم زهاء ثلاثين ألفًا، وسبى من النساء والصبيان مثل ذلك.
وأقام أبو طاهر بمكة ستة أيام، ولم يقف أحد تلك السنة بعرفة، ولا وفّى نسكًا، وكان ينتقل من مكان إلى آخر وهو يدعو أصحابه: أن أجهزوا على الكفار وعبدة الأحجار (لأن القرامطة يعتبرون الحج من شعائر الجاهلية ومن قبيل عبادة الأصنام) .
وطلب أبو طاهر من أتباعه أن يدكوا أركان الكعبة، ويقتلعوا الحجر الأسود، حتى لا يبقى منه أثر، وطلع أبو طاهر إلى باب الكعبة، وقلع بابها الشريف، وصار ينشد:
أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا
وبعد أن عاث القرامطة في بيت الله الحرام فسادًا، خرجوا من مكة وهم ينشدون:
فلو كان هذا البيت لله ربنا لصبّ علينا النار من فوقنا صبّا
لأنا حججنا حجة جاهلية محللة لم تبق شرقًا ولا غربا
وإنا تركنا بين زمزم والصفا جنائز لا تبغي سوى ربّها ربا
واستمر أبو طاهر في اعتداءاته على مواكب الحجاج بعد ذلك، وفرض الأتاوات عليهم، وظل على ذلك حتى هلك - عليه من الله ما يستحق - في سنة 332 هـ ( ) .
ثالثًا: الحاكم بأمر الله الفاطمي