وأنست فترة تقارب الشهر بهذه الفكرة - وهي عقيدة لا شك فيها - فكنت أتحرك وأذهب وأجيء، وأتفاعل مع الأحداث، وأسجل محاضرات، وأقرأ كتبًا جادة.
لم أكن أدري أن الحزن كان يترسخ شيئًا فشيئًا، ويغور في أعماق النفس، ويمتد بجذوره بعيدًا بعيدًا، ويشتبك مع عروق الحشا، ونياط الفؤاد. فإذا هو بعد حين يتحول إلى.. كآبة. كآبة نغصت عليّ حياتي، طعامي، شرابي، قراءتي، علاقتي بأهلي. حتى صرت أهرب من نفسي..!
نعم! فإن أي لحظة أخلو فيها بها، أو أنصرف إليها تتكاثف عليّ فيها الهموم فكأنها شيء ثقيل يحط على قلبي، أحس به حقيقة، وأجد أثره كأنه كية مكواة تتصاعد حرارتها، فأفزع من نفسي إلى أي شيء يلهيني عنها؛ وصرت لا أطيق المكوث كثيرًا في البيت، وساءت أخلاقي مع أهلي!
صورة واحدة تدور في مخيلتي أو كأنها ثبتت فيها بمسامير، وعلق عليها طبل كبير، فهو يرن براسي: صورة الجنود الأميركان وهم يجوبون الطرقات بأسلحتهم ودباباتهم!
صورة تأكل معي... وتشرب... وتنام، وتصحو!
أما الكتابة فما عدت أقدر عليها، أو أجرؤ على مس القلم لأجلها.. ماذا أكتب؟! والهموم تتصاعد من مناخري؟!!!
أأكتب سقطت بغداد؟ الله أكبر؛ إن الزفرات يتوالى نفثها من صدري وأنا أكتبها!
هل أكتب عن هزيمة الأمة وجراح الوطن، وآلام الناس، ومآسي الأهل؟
أأكتب عن استسلام كثير من العلماء - ومعهم الأتباع - الذين صاروا يقلبون الأمور ويشوهون الحقائق ويفسدون الدين في عقول الأمة حتى صاروا يسمون الاحتلال تحريرًا، والجهاد اعتداءًا، والغازي المعتدي مستأمنًا وصاحب ذمة؟!
أأكتب عن خيانة الشيعة - إلا من رحم - للدين والوطن، وترحيبهم بالغزاة، وقتلهم العلماء، والمجاهدين، والعسكريين السابقين، وتربصهم بنا الدوائر. ثم تجد رموز أهل السنة يمجدونهم ويمتدحونهم بلا حياء!
ماذا أكتب؟ وأنا إذ أكتب أشعر كأني أعيش ما أكتب! وأتفاعل معه بطريقة غير طبيعية. طريقة مؤلمة مزعجة. وهذا أحد أسباب هروبي من الكتابة.