نعم! لقد كانت هزات متوالية عنيفة، أثارت إلى السطح كثيرًا مما كان راكدًا في القعر من رواسب وتحجرات، ووجهت سهام الشك إلى بعض الثوابت والمسلمات، التي تبين لنا أن ثباتها لم يكن أكثر من تحجر وجمود، لا بد من تليينه أو كسره - حين يقتضى الأمر - إذا أردنا الانطلاق. وهكذا كانت المراجعات. ولولا الهزات ما كانت المراجعات.
وأي هزة أكبر وأقوى وأشد من أن يرى المرء بلده يحتله أعدى أعدائه، يهينونه، ويذلونه، ويتحكمون في مصيره وشؤونه!!! وفي الوقت نفسه كانت فرصة لأن يظهر (أصحاب المبادئ) كما هم تحت الشمس، بعد أن كانوا يتوارون في كهوف الخوف، ويتخفون في أردية التقية. فأي مراجعات هي إذن؟!!!
أرجو من القارئ أن لا يستعجل بالنقد أو اللوم إذا وجد - كما يظن - شيئًا من الميل في هذه المراجعات؛ إن الهزة عنيفة.. عنيفة يا صاحبي! وحتى تقدر الأمر بعض قدره أقترح عليك أن تصحبني في جولة سريعة بين سطور كتبتها على عجل في بعض تلك الأيام. ألست بصاحبي؟
بين الحزن والكآبة
في يوم (26/6/2003) كتبت في دفتر مذكراتي تحت هذا العنوان أقول: (عندما احتلت بغداد خيم علينا الحزن، واجتاحنا الخوف، والشعور بالضياع. و.. وبكينا.. ولا زلنا نبكي.. عاصمة الخلافة والمجد الغابر. لكن الحزن يمكن أن يخفف بجلسة مع أحباب، أو سياحة مع كتاب...
.. ويمكن أن تسمع معه طرفة فتضحك لها، أو تذهب في نزهة فتنسى - ولو برهة - بعضا من أحزانك. أما حزننا هذا فشيء آخر.. آخر تمامًا!
كنت في البداية - والصدمة في أولها، والجرح لا زال في حرارته - أقول: إن ما حدث بقدر، والإنسان مسؤول عن القيام بالأسباب الممكنة، ثم يكل من بعد الأمور إلى مدبرها. فليكن شاغلنا العمل بالتكليف وهذا هو المطلوب منا، حتى لا نستهلك طاقتنا بما لا ينفع، وحتى لا نيأس، والله تعالى يقول: ? [فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا? [الكهف:6] .