في كتابه"الخلافات السياسية بين الصحابة" (مركز الراية 2004) ،فجر الباحث الموريتاني محمد المختار الشنقيطي"قنبلة أعماق"من الوزن الثقيل؛ لينسف بها الوعي السائد للتاريخ الإسلامي من جذوره؛ محاولًا الوقوف على أسباب الأزمة التي عصفت بالعقل المسلم حسب زعمه منذ لحظة"صفين"التي نشأ منها الفقه السياسي الإسلامي مكيفا مع واقع القهر والاستبداد، محاولا من ذلك الوقوف على ملامح هدي منهجي وحقل معرفي جديد، حيث تجاوز هذا التكيف إلى النظرية السياسية الإسلامية، وهي المهمة التي مازالت عسيرة حتى اليوم.
يحدد الشنقيطي ابتداء أسباب الأزمة التاريخية في الوعي الإسلامي بلحظة الخلاف السياسي بين الصحابة رضوان الله عليهم، التي ترسخت في هذا الوعي بخلط بين هدي الوحي والوعي التاريخي العام في المرجعية، والتقصير في دراسة حياة السلف دراسة استقصائية تلم بالجوانب المضيئة التي لا تقف عند حدود سرد المناقب، وهو الأمر الذي يرجعنا إلى دراسة اصل الخلاف بعد عصر النبوة، أي"الخلاف السياسي بين الصحابة".
ولهذا العنوان مدلول كبير في ذهن المؤلف، ففيه قد حدد سلفا خطة الكتاب العامة، وهي؛ أنه ليس من مقصود المؤلف أن يخوض في أي نوع من التقييم أو المفاضلة بين الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما أراد من ذلك تقييم المسار السياسي واجتهداتهم في هذا المسار الذي يحدد مقدار قرب اجتهاد احدهم من المبدأ الإسلامي أو مقدار بعده عنه، وهو ما يشبهه الشنقيطي بالقول - حتى لا يساء مقصد الكتاب - انه يشبه ما قال مسلم في صحيحه عند العرض لجرح الرواة"ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة".