بعد حادث اختطافي الأول كنت حذرا جدًا، فلم أكن أخرج من البيت لوحدي، لا أرد على الهواتف المشبوهة، لم أكن أحضر العزائم والولائم والمجالس المريبة.
وكان الشيخ النوري ـ مسئول المخابرات ـ يتابع حركاتي وسكناتي ويتصل بي دائما؛ أحيانا كان يطلبني إلى دار الضيافة في المدينة للاستجواب، وأحيانا كان يريدني عند جبل"آبيدر"، وأحيانا كان يستجوبني في سيارته، وأحيانا كنا نتمشى وهو يهدر علي بأمطار أسئلته عن كل ما يحلو له، وأحيانا يأتيني في بيتي.
فطلبي للاستجواب بهذا الأسلوب الأخير لم يكن بدعا منهم، ولم يكن غريبا علي أن يطلبوني إلى ذلك الجبل. بل أنا كنت أتوقع أن يداهموا بيتي في أية لحظة، وذلك لخطبتي في يوم الجمعة، وكذلك سبق أن أخبرني رجل المخابرات ـ الشيخ النوري ـ أنهم سيبعثونني للاستجواب إلى طهران ـ العاصمة ـ وسوف يستجوبونني عن كل حركاتي وأسفاري بين المدن. وكان يؤكد علي ألا أخبر أحدا عن ذلك، وألا يصاحبني أحد في سفري! على كل فقد كنت حذرا ومحتاطا جدا مع ذلك لم يغنني الحذر من القدر!
وماذا كان ينفعني الحذر، فقد كان بإمكانهم أن يأخذوني من بيتي ومن بين أيدي أهلي وأسرتي في أية لحظة!
•…لقد أصدرت المخابرات والجهات الأمنية عدة بيانات والتقارير، أكدت فيها أنك خرجت بنفسك، وأنك كنت تغطي وجهك في السيارة مخافة أن يعرفك الناس! هل يمكن أن توضح الأمر؟
حقا، فإن شر البلية ما يضحك! إشاعة لا تخرج إلا من عقول ساذجة مريضة!
ولا عجب! فإن هؤلاء السادة يعيشون في ترف وبهبهة من العيش، فقد امتلكوا مصاير الشعب المظلوم الجريح. وامتلأت جيوبهم وكروشهم بأموال هؤلاء المنكوبين من الشعب الكردي المسلم الأبي، فهم يعيشون في قصورهم التي تسخنها أحدث الأجهزة والدفاءات، وتخدمهم الجنود كالعبيد، يحضرون لهم كل ما تشتهيه نفوسهم في بيوتهم، فهم لا يدركون ماذا كان يجري وراء قصورهم، لا يعرفون شدة البرد القارص الذي كان يقصم ظهر الشعب الفقير!