ومع هذا لم تستطع الأحزاب الدينية أن تكوّن لها قاعدة ذات شأن بين العراقيين الذين أظهروا تمسكًا قويًا بهويتهم الوطنية, ربما لإدراكهم طبيعة مجتمعهم ذي الأعراق والأديان والطوائف المتعدد, لكن منذ العام 1963 بدأت الأمور على هذا الصعيد تتغير, فانقلاب شباط (فبراير) البعثي - الناصري وتوابعه التي استمرت حتى إطاحة نظام صدام حسين منذ عام, دشنت عهد التصفية الدموية للحركة الوطنية والممارسة الطائفية على مستوى الدولة, وعمّقت"الصحوة الإسلامية"التي كانت الثورة الإيرانية إحدى تجلّياتها من الظاهرة الطائفية في العراق, كما في بلدان أخرى, وتردى العمل السياسي إلى مستويات وضيعة لم نألفها من قبل.
والآن, بعد إطاحة نظام صدام, نلحظ تفاقمًا في الممارسة الطائفية, خصوصًا من الأحزاب وبعض المرجعيات الشيعية مستفيدة من دعم إيراني سابق ولاحق مالي وسياسي وتسليحي واستخباراتي. فقد أنشئت ميليشيات مسلحة, علنية وسرية, بذريعة حفظ الأمن والنظام المفقودين, بيد أن هذه الميليشيات أخذت القانون بأيديها وراحت تعمل على فرض حكم هذه الأحزاب على فرض حكم هذه الأحزاب والمرجعيات (المتنافسة والمتصارعة في ما بينها هي أيضًا) على نطاق المدن والقرى والأحياء السكنية, معتبرة المجتمع كله تابعًا لطائفتها بل لحزبها أو مرجعيتها. وفي هذا الإطار صودرت مساجد للسنة في مدن ذات غالبية شيعية وحورب أبناء ديانات أخرى في أرزاقهم.