الصفحة 27 من 50

هذه الإرادة في مختلف مظاهرها، أما في ظل نظام القضاء الدولي - والقضاء عموما - فإن دور هذه الإرادة ينتهي عند لحظة الموافقة عند عرض النزاع على المحكمة الدولية المختصة، التي هي منشأة أصلا قبل نشوب هذا النزاع والتي يكون لها بموجب دستورها أو نظامها الأساسي قانونها الذي تطبقه وقواعد الإجراءات التي تتبعها.

يتميز القضاء الدولي عن التحكيم الدولي من حيث إن الأولى يقوم على وجود أجهزة دائمة لا يرتبط وجودها بتوقيت حدوث النزاع، أما التحكيم الدولي فهو - كقاعدة عامة - ذو طابع مؤقت حيث إن الأصل بالنسبة لمحكمة التحكيم أنها تشكل للفصل في نزاع معين ثم تنفض إثر ذلك.

يختلف الاصطلاحان، كذلك من حيث دور كل منهما في إنشاء وتطوير القواعد القانونية فالثابت أن القضاء الدولي يسهم بدور أكبر في هذا المجال من خلال ما يرسيه من قواعد وسوابق، أما التحكيم الدولي فإن دوره في هذا المجال يكون بدرجة أقل ويتحقق بشكل مباشر من خلال الإسهام - على المدى البعيد - في تكوين القواعد القانونية العرفية، أو في الكشف عنها.

ومع ذلك فهناك سمات عديدة تجمع بين التحكيم الدولي والقضاء الدولي: فبادئ ذي بدء يعتبر كل منهما وسيلة قانونية لتسوية المنازعات الدولية سلميا، ومن ناحية ثانية يلاحظ أن كلا من التحكيم الدولي والقضاء الدولي يفصل في النزاع المطلوب عن طريق إصدار حكم ملزم وبات ونهائي كقاعدة عامة، ومن ناحية ثالثة فإن كلا منهما يقوم - من حيث المبدأ - على فكرة القبول الاختياري من جانب أطراف النزاع.

والدول عادة تفضل اللجوء إلى التحكيم الدولي على اللجوء إلى القضاء الدولي.

ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها: أن اللجوء إلى التحكيم عادة ما يكون ميسورا مقارنة باللجوء إلى القضاء، حيث إن هذا الأخير يتطلب شروطا معينة لإمكان التقاضي أمامه، كذلك هناك حالات تكون فيها بعض المنازعات الدولية غير قابلة للعرض أمام القضاء الدولي نظرا لأن أحد أطراف النزاع ليس له حق التقاضي أمام محاكم هذا القضاء (كحالة نزاع طرفاه دولة من جانب وشركة أجنبية من جانب آخر) ، كما قد تلعب طبيعة النزاع دورها في تفضيل إحدى هاتين الوسيلتين على الأخرى، فالمشاهد في ضوء الخبرة التاريخية أنه كلما كان النزاع ذا طابع فني كان من الملائم حله عن طريق التحكيم لا القضاء. (1)

محكمة العدل الدولية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت