فهرس الكتاب
وعلى هذا يمكن تقسيم تقاضى أو تحاكم المسلمين في البلاد الأجنبية إلى أحوال:
أولًا: إذا سمح نظام الدولة للمسلمين بالتحكيم في عقودهم ومنازعاتهم. فواجب المسلمين في هذه الديار أن يوحدوا ملجأ التحكيم بواسطة مؤسساتهم الكثيرة ' وبخاصة اتحاداتهم الدعوية أو الثقافية أو الخيرية أو غيرها. ويلزم أن تتفق الجالية الإسلامية على من يختارهم أهل الرأى والقرار للتحكيم ولا يبعد الإلزام الشرعى لهذا الاختيار أو التعيين؛ لئلا يخلوا المسلمون من تطبيق حكم الله حيث أمكنهم 'وللحيلولة دون اللجوء إلى المحاكم الأجنبية. وقد نص الفقهاء على ذلك فقال ابن أبى الدم:"إن القيام بالقضاء بين المسلمين والانتصار للمظلومين وقطع الخصومة الناسئة بين المتخاصمين من أركان الدين ' وهو أهم الفرو المعنوية بالكفاية ' فإذا قام به الصالح له سقط الفرض عن الباقين 'وإن امتنع كل الصالحين له أثموا". (أدب القضاء 1/ 290) ونقل ابن فرحون عن المازرى قوله:"القضاء ينعقد بأحد وجهين: أحدهما عقد أمير المؤمنين .. والثانى عقد ذوى الرأى وأهل العلم والمعرفة والعدالة لرجل منهم كملت فيه شروط القضاء .." (تبصرة الحكام 1/ 15) وقال الماوردى:"لو لو خلا بلد من قاض فقلد أهل البلد على أنفسهم قاضيا منهم كان تقليدهم له باطلا إن كان في العصر إمام لافتياتهم عليه فيما هو أحق به". (أدب القضاء 1/ 139) .
ولا يضير حكم المحكمين المسلمين اشتراط اعتماد الحكم من السلطات القضائية في البلاد بعد ذلك؛ لأنه يكسبه صفة الإلزام التنفيذية.
ثانيًا: إذا لم يسمح نظام الدولة بصلاحية التحكيم للمسلمين 'فيطبق حد الضرورة في اللجوء إلى المحاكم غير الإسلامية ' والضرورة حينئذ أظهر منها مما يقال من الضرورة أو عموم البلوى في التحاكم إلى القوانين الأجنبية في البلاد الإسلامية ' ولكن لاتسع المسلمين الضرورة فيما يتعلق بعقائدهم وواجباتهم وأركان دينهم وأحوالهم الشخصية أو كل ماكان حكما تكليفيا أوحكما وضعيا -أى ما كان بشرط شرعى أوسبب شرعى أو مانع شرعى - وبخاصة الأحوال الشخصية من الزواج وحقوق الزوجية والطلاق والعدة والنسب والميراث والوصية وماإلى ذلك فيلزم تحكيم من يرضونه دينا وعلما 'ويلزم المؤسسات والاتحادات الإسلامية أن تضطلع بدور التحكيم والصلح ' وأن تضع لذلك نظاما محكما يلتزم أحكام الشريعة ' ولا يصادم النظام العام في البلاد. أ