الصفحة 60 من 305

(235) هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها

قال ابن رجب: ولما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اضطرب المسلمون فمنهم من دهش فخولط ومنهم من أقعد فلم يطق القيام ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام ومنهم من أنكر موته بالكلية.

قال القرطبي مبينا عظم هذه المصيبة وما ترتب عليها من أمور من أعظم المصائب المصيبة في الدين. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها أعظم المصائب» السلسلة الصحيحة للألباني 1106

وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة انقطع الوحي وماتت النبوة وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه (تفسير القرطبي 176/ 2)

لقد أذهل نبأ الوفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فصار يتوعد وينذر من يزعم أن النبي مات ويقول: ما مات ولكنه ذهب إلى ربه فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات. ولما سمع أبو بكر الخبر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مغشي بثوب حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي! والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي عليك فقد متَّها (البخاري كتاب المغازي 4452)

وخرج أبو بكر وعمر يتكلم فقال: اجلس يا عمر وهو ماضٍ في كلامه وفي ثورة غضبه فقام أبو بكر في الناس خطيبًا بعد أن حمد الله وأثنى عليه فقال أما بعد: فإن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا هذه الآية وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144] }

قال عمر: فوالله ما إن سمعت أبا بكر تلاها فهويت إلى الأرض ما تحملني قدماي وعلمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات (البخاري كتاب المغازي 4454)

قال القرطبي: هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته فإن الشجاعة والجراءة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب ولا مصيبة أعظم من موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فظهرت شجاعته وعلمه قال الناس: لم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنهم عمر وخرس عثمان واستخفى علي واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح (تفسير القرطبي)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت