فهرس الكتاب
حَتَّىَ ظَهَرَ الْخَلَلُ فِيْ مَجْلِسِ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَ، فَحَسَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَكَلَّمَ فِيْهِ فَدَسَّ بَعْضٍ مِنْ يَمْتَحِنُهُ فِيْ (مَسْأَلَةٍ الْلَّفْظِ بِالْقُرْآَنِ) فَلَمَّا حَضَرَ الْنَّاسُ مَجْلِسِ الْبُخَارِيُّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الْلَّهِ مَا تَقُوْلُ فِيْ الْلَّفْظِ بِالْقُرْآَنِ؟ مَخْلُوْقٍ هُوَ أَمْ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ الْرَّجُلُ: يَا أَبَا عَبْدِ الْلَّهِ فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ، ثُمَّ قَالَ فِيْ الْثَّالِثَةِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: الْقُرْآَنَ كَلَامُ الْلَّهِ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوْقَةٌ، وَالْامْتِحَانِ بِدْعَةٍ، فَشَغَّبَ الْرَّجُلُ وَشَغَّبَ الْنَّاسِ، وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، وَقَعَدَ الْبُخَارِيُّ فِيْ مَنْزِلِهِ.
قَالَ يَحْيَ بِنُ سَعِيْدٍ الْقَطَّانُ: قَالَ (أَيُّ الْبُخَارِيُّ) : أَعْمَالٌ الْعِبَادِ كُلَّهَا مَخْلُوْقَةٌ فمَرَّقُوا عَلَيْهِ. وَقَالُوْا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تُرْجَعُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ حَتَّىَ نَعُوْدَ إِلَيْكَ قَالَ: لَا أَفْعَلُ إِلَا أَنْ يَجِيْئُوْا بِحُجَّةٍ فِيْمَا يَقُوْلُوْنَ أَقْوَىْ مِنْ حَجَّتِي. قَالَ يَحْيَ: وَأَعْجَبَنِيْ مِنْ مُحَمَّدٍ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ ثَبَاتِهِ.
قَالَ الْحَاكِمُ: حَدَّثَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شَّاذِلَ يَقُوْلُ: لَمَّا وَقَعَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَ وَالْبُخَارِيُّ، دَخَلْتُ عَلَىَ الْبُخَارِيِّ فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ الْلَّهِ: أَيْشٍ الْحِيْلَةِ لَنَا فَيْمِا بَيْنَكَ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَ؟ كُلِّ مَنْ يُخْتَلَفُ إِلَيْكَ يَطْرُدُ. فَقَالَ: كَمْ يَعْتَرِيَ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَ الْحَسَدُ فِيْ الْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ رِزْقٍ الْلَّهِ يُعْطِيْهِ مَنْ يَشَاءُ، فَقُلْتُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِيْ تُحْكَى عَنْكَ .. قَالَ: يَا بَنِيَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَشْؤُوْمَةٌ رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَمَا نَالَهُ فِيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ!
وَجَعَلْتُ عَلَىَ نَفْسِيْ أَنْ لَا أَتَكَلَّمَ فِيْهَا.
قَالَ الْذَّهَبِيُّ:"الْمَسْأَلَةِ هِيَ أَنْ الْلَّفْظِ مَخْلُوْقٍ، سُئِلَ عَنْهَا الْبُخَارِيُّ، فَوَقَفَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَفْعَالَنَا مَخْلُوْقَةٌ وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ فَفُهِمَ مِنْهُ الْذُّهْلِيُّ أَنَّهُ يُوَجِّهُ مَسْأَلَةٍ الْلَّفْظِ، فَتَكَلَّمَ فِيْهِ. وَأَخَذَهُ بِلَازِمٍ قَوْلُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ".وَقَدْ أَظْهَرَ الْبُخَارِيُّ فِيْ هَذِهِ الْمِحْنَةِ صَبْرَا لَا مِثَيِل لَهُ. فَقَدْ كَانَ كَثِيْرا مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُوْلُوْنَ لَهُ: إِنَّ بَعْضَ الْنَّاسِ يَقَعُ فِيْكَ فَيَقُوْلُ: (إِنَّ كَيْدَ الْشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيْفَا) ، وَيَتْلُوَ أَيْضا: (وَلَا يَحِيْقُ الْمَكْرُ الْسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) .وَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ لَا