الصفحة 71 من 75

أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ قَالَ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. [1]

4 - [حديث 561] حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. [2]

(1) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ وَهَذَا ثَالِثُ ثُلَاثِيَّاتِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ سَاوَى فِيهِ الْبُخَارِيُّ شَيْخَهُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.

قَوْلُهُ: (الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ) هَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِلْمُصْحَفِ مَوْضِعٌ خَاصٌّ بِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ"يُصَلِّي وَرَاءَ الصُّنْدُوقِ"وَكَأَنَّهُ كَانَ لِلْمُصْحَفِ صُنْدُوقٌ يُوضَعُ فِيهِ، وَالْأُسْطُوَانَةُ الْمَذْكُورَةُ حَقَّقَ لَنَا بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّهَا الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الرَّوْضَةِ الْمُكَرَّمَةِ، وَأَنَّهَا تُعْرَفُ بِأُسْطُوَانَةِ الْمُهَاجِرِينَ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ"لَوْ عَرَفَهَا النَّاسُ لَاضْطَرَبُوا عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ"وَأَنَّهَا أَسَرَّتْهَا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَكَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. ثُمَّ وَجَدْتُ ذَلِكَ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ لِابْنِ النَّجَّارِ وَزَادَ"أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهَا"وَذَكَرَهُ قَبْلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ قَوْلُهُ: (يَا أَبَا مُسْلِمٍ (هِيَ كُنْيَةُ سَلَمَةَ، وَ"يَتَحَرَّى"أَيْ يَقْصِدُ أ. هـ.

(2) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قَوْله: (( إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أَيِ اسْتَتَرَتْ، وَالْمُرَادُ الشَّمْسُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَذْكُرْهَا اعْتِمَادًا عَلَى أَفْهَامِ السَّامِعِينَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْقُرْآنِ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. انْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ بِلَفْظِ"إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ"فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِصَارَ فِي الْمَتْنِ مِنْ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ صَحَّ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى، وَأَبُو عَوَانَةَ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَانَ أَيْضًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ بِلَفْظِ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ حِينَ يَغِيبُ حَاجِبُهَا وَالْمُرَادُ حَاجِبُهَا الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ أَكْثَرُهَا، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا"تَوَارَتْ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِأ. هـ."

قال ابن الأثير: (( الحجاب ههنا: الأفق، يريد حين غابت الشمس بالأفق واستترت به ) ) [النهاية في غريب الحديث 1/ 894]

وقَالَ الْحَافِظُ [الْفَتْحِ 2/ 42] : (( وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَىَ: أَنَّ سُقُوْطَ قُرْصِ الْشَّمْسِ يَدْخُلُ بِهِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ؛ وَلا يَخْفَىَ أَنَّ مَحَلَّهُ: مَا إِذَا كَانَ لا يَحُوْلُ بَيْنَ رُؤْيَتِهَا غَارِبَةً، وَبَيْنَ الْرَّائِيَ حَائِلٍ، وَالْلَّهُ أَعْلَمُ ) ).ا. هـ والغاربة كلُّ شيء يواري أو يستر الشمس ويحول دون رؤيتها؛ من غيم أو غبار أو ظلام، وأما الحائل فما يحول بين الرائي وبينها؛ من جبال أو عمران أو أشجار. والشرط الأول الذي اشترطه ابن حجر (( إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة ) )ممكن وقد وقع فعلًا في عصر التنزيل؛ وذلك فيما أخرجه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (( أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس ) )، وأما أن يحول بينها وبين الرائي حائل فهذا محل نظر وفيه تكليف للعباد بما لم يُكلَّفوا به وفي قوله تعالى: (( حتى توارت بالحجاب ) )قال العيني] عمدة القاري 16/ 13]: (( قوله:"حتى توارت"يعني: الشمس؛ أي غابت، بـ"الحجاب"وهو جبل دون القاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه، قيل: معناه حتى استترت الشمس بما يحجبها عن الأبصار ) ).بل في رواية مسلم: (( كان يصلي المغرب: إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب ) )دليل على أنَّ الشمس إذا توارت بالحجاب ولم يُرى منها شيء أُطلِقَ عليها شرعًا أنها غربت؛ فالغروب يتحقق إذا توارت الشمس بالحجاب ولا يُطلَب أكثر من ذلك.

فأين المسلمون من هذه الأحاديث التي تحث على المبادرة إلى أذان المغرب حين يغرب قرص الشمس؟ وبخاصة والناس اليوم ينتظرون ذهاب الضوء أو الاصفرار أو الاحمرار، أو دخول الظلام أو ظهور النجم حتى يؤذِّنوا للمغرب؛ وكلُّ ذلك بعدٌ عن سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وتشبٌّهٌ بسنن اليهود والنصارى، وإلى الله المشتكى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت