الصفحة 134 من 259

مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. [1] وفي الحديث الصجيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «يقول: الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتهم عليه» وإذا علم أن جميع ذلك داخل في الجنة، فالناس في الجنة على درجات متفاوتة كما قال: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} . [2] وكل مطلوب للعبد بعبادة أو دعاء أو غير ذلك من مطالب الآخرة هو في الجنة.

وطلب الجنة والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله ورسله، وجميع أوليائه السابقين المقربين، وأصحاب اليمين. كما في السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل بعض أصحابه: «كيف تقول: في دعائك؟» قال: أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار؛ أما إني لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ. فقال: «حولهما ندندن» فقد أخبر أنه هو - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ ـ وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ـ إنما يدندنون حول الجنة، أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ، ومن يصلي خلفهما من المها جرين والأنصار؟! ولو طلب هذا البعد ما طلب كان في الجنة.

وأهل الجنة نوعان: سابقون مقربون، وأبرار أصحاب يمين. قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الابْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الابْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الارَأَىئِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} . [3] قال ابن عباس تمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشربها المقربون صرفا. اهـ. [4]

فالجنة سلعة الله وهي غالية ولا ينالها إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات جعلنا الله وإياكم منهم وحشرنا في زمرتهم.

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من خاف أدلج و من أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة". [5]

قوله:"من خاف أدلج"قال المناوي: بسكون الدال مخففًا سار من أول الليل وأما بالتشديد فمعناه سار من آخره"ومن أدلج بلغ المنزل"يعني من خشي اللّه أتى منه كل خير ومن أمن اجترأ على كل شر، كذا في الكشاف، وقال في الرياض: المراد التشمير في الطاعة. وفي الترغيب معناه من خاف ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة والمبادرة بالعمل الصالح خوف القواطع والعوائق. وقيل هو حث على قيام الليل. جعل قيامه من علامات الخوف لأن الخائف يدلج أي منعه الخوف من نوم كل الليل، والأظهر أنه ضرب مثلًا لكل من خاف الردى أو فوت ما يتمنى أن يصل إلى السير بالسرى ولا يركن إلى الراحة والهوى حتى يبلغ المنى"ألا إن سلعة"

اللّه غالية"أي رفيعة القدر،"ألا إن سلعة اللّه الجنة"قال الطيبي: هذا مثل ضربه لسالك الآخرة فإن الشيطان على طريقه، والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه، فإن تيقظ في سيره وأخلص في عمله أمن من الشيطان وكيده ومن قطع الطريق انتهى، وثمن هذه السلعة العمل الصالح المشار إليه بقوله: {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا} ، وقال العلائي: أخبر أن الخوف من اللّه هو المقتضي للسير إليه بالعمل الصالح والمشار إليه بالإدلاج وعبر ببلوغ المنزلة عن النجاة المترتبة على العمل الصالح وأصل ذلك كله الخوف. اهـ. [6] "

(1) سورة السجدة الآية (71) .

(2) سورة الإسراء الآية (71) .

(3) سورة المطففين الآية (81 - 82) .

(4) مجموع الفتاوى المجلد السادس.

(5) رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، صحيح الجامع حديث رقم (6222) .

(6) فيض القدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت