فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلى، .... قالوا: يا رسول الله! قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك كففت - وفي رواية تكعكعت - فقال:"إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه الدنيا ...". [1]
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب! و عزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ثم حفها بالمكاره ثم قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها فذهب ثم نظر إليها ثم جاء فقال: أي رب! و عزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد فلما خلق الله النار قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فحفها بالشهوات ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال: أي رب و عزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها". [2]
قال ابن قيم الجوزية: أنه قد استقرّت حكمته سبحانه أنّ السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلاَّ على جسر المشقة والتعب، ولا يدخل إليها إلاَّ من باب المكاره والصبر وتحمّل المشاقّ.
ولذلك حفّ الجنة بالمكاره والنار وبالشهوات.
ولذلك أخرج صفيّه آدم من الجنة وقد خلَقها له، واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلاَّ بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلاَّ ليُدخله إليها أتمّ دخول. فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت.
وكم بين دخول رسول الله مكة في جوار المُطعِم بن عَديّ ودخوله إليها يوم الفتح.
وكم بين راحة المؤمنين ولذّتهم في الجنة بعد مقاساة ما قبلها وبي لذّتهم لو خلقوا فيها. وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه وأغناه بعد فقره وهداه بعد ضلاله وجمع قلبه بعد شتاته وفرحة من لم يذق تلك المرارات.
(1) رواه البخاري برقم (715) ، باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، ومسلم برقم (907) ، باب ما عرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار
(2) رواه أحمد والحاكم وأصحاب السنن عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وبنحوه رواه مسلم في صحيحه. أنظر صحيح الجامع حديث رقم (5210) .