الصفحة 21 من 100

إن من أهم المنافع التي يشهدها الحجيج والمعتمرون في تلك الرحلة الميمونة إلى بلاد الحرمين؛ حيث يشدون الرحال إلى المسجد الحرام، ثم يذهبون إسراء بالليل أو ركضا بالنهار إلى المسجد النبوي أن يقفوا على أطياف الدعوة؛ فقد انطلق نبينا وحيدا في هذه الديار، وأمضى ثلاث سنين مستخفيا بدعوته لا يكلم إلا من يطمئن إليه؛ حتى لا يعلم به صناديد الكفر فيثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، وقد اتخذ من بيت شاب في السابعة عشرة من العمر مقرا للانزواء والالتقاء؛ ذلك أنه لا يخطر ببال أئمة الكفر أن بيت الأرقم بن أبي الأرقم يحتضن رجالا في سن أبيه.

ثم كان الصدع بالحق، واحتمال الأذى، وتتابع الهجرات؛ حتى استقر به المقام في المدينة المنورة بعد بيعتي العقبة الشهيرتين على الإسلام ثم الجهاد والحماية. ولولا أن أهل مكة أخرجوه منها ما خرج، ولكنها حكمة الله في كشف حقيقة الإسلام، إنها التضحية بكل شيء، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله؛ فيتأهبون بذلك لجنة عرضها السماوات والأرض، فيها العزاء عن كل مفقود، والعوض الأكبر عن كل ما يفوت.

إن المقام في المدينة لم يحُل دون أن تغِير عليهم قريش في حروب متلاحقة، وأن يجدوا خصوما آخرين من اليهود والمنافقين. وإذا كان الصحابة في مكة قد اشتكوا الاضطهاد طالبين الدعاء والنصرة؛ فإنهم في المدينة كانوا يبيتون في السلاح ويصبحون فيه، فاشتكوا كذلك: هل يا رسول سنظل أبد الدهر خائفين هكذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت