الصفحة 5 من 25

وقد بينا الفرق بين الإسلام وغيره من النظم الأخرى، ففي الإسلام الذي يعطي المادة صفة القانون أنها صادرة عن الله، أما في الجاهلية فالذي يعطي المادة صفة القانون صدورها عن غير الله، أي الذي يعطيها صفتها الإلزامية في الإسلام صدورها عمن يملك حق الإصدار وهو الله سبحانه وتعالى الملك الحق، والذي يعطيها صفتها الإلزامية في الجاهلية صدورها عمن يملك حق الإصدار وهو المشرع الوضعي (الطاغوت) ، ومن ثم فمصدر الإلزام في الإسلام هو الله 0

فالإسلام لابد أن يكون له وحده بقبول شرعه وحده جملة وعلي الغيب، ورفض ما سواه جملة وعلي الغيب، فالإسلام كما أنه يختلف عما عداه من أفكار ومفاهيم وأنماط حضارية، يختلف أيضًا منهجه عن المناهج الأخرى، فكما أن مفهومه رباني كذلك منهجه رباني يختلف عن أي منهج آخر، ومحاولة طرح الإسلام بمنهجية مخالفة عن منهجيته، هي في الحقيقة طرح لفكر آخر غير الإسلام الرباني المطلوب من العباد تحقيقه في دنيا الناس وتحقيق نظام غير النظام الإسلامي، هذه المنهجية الإسلامية نجدها في بناء العقيدة كما نجدها في بناء النظام الذي ينبني علي هذه العقيدة0

يقول شهيد الإسلام العلامة سيد قطب (إن الإسلام تصور مستقل للوجود والحياة، تصور كامل ذو خصائص متميزة ومن ثم ينبثق منه منهج ذاتي مستقل للحياة كلها بكل مقوماتها وارتباطاتها ويقوم عليه نظام ذو خصائص معينة) [1] - ويقول أيضًا (يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيدًا أنه كما أنه في ذاته رباني فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك متوافق مع طبيعته، وأنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل 0 فإذا نحن عرفنا منهجه في العمل علي النحو الذي بيناه فلنعرف أن هذا المنهج أصيل وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولي، إنما هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين - في أي وقت - إلا به) . [2]

ومن ثم فإن التزام المنهج كالتزام الإسلام، كلاهما وجهين لحقيقة واحدة، فلا يمكن تطبيق الإسلام إلا من خلال منهج الإسلام، وإن إتباع أي منهج آخر كاتباع أي إعتقاد آخر، لن يصل بنا إلي تطبيق الإسلام، فالمنهج الغربي لن يصل بنا إلا إلي إنتاج النظرية الغربية وتطبيقها علي أرض الواقع، كما أن المنهج الإسلامي لن يصل بنا إلا إلي إنتاج النظرية الإسلامية وتطبيقها علي أرض الواقع، لأن كل منهج منهما يحمل بين طياته النظرية التي تتصل به ومفاهيمها وأدواتها وطرقها في التطبيق 0

ونتيجة لاختلاف الأفهام التي تعتمد علي المفاهيم المنحرفة اتسعت المسميات كأنها قد صار لكل دولة وجماعة وفرد إسلام يخصه، فأصبح الإسلام إسلامات متعددة ويقف أصحاب هذا المفهوم في مواجهة التأصيل الشرعي الصحيح، بادعاءات ما أنزل الله بها من سلطان، ومن ثم فقد رأي أصحاب هذه الجبهة أنه من العبث التصدي المكشوف لهذا الدفق الإسلامي الواسع الامتداد في المجتمع العربي، والأهم من ذلك هو استحالة القدرة علي

(1) / سيد قطب - معالم في الطريق دار الشروق ص 47

(2) / أنظر الظلال ص 1013 ـ 1014

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت