الصفحة 70 من 233

الأوروبيون في مجموعهم يفهمون هذا لكن هذا الفهم المنتشر بين أكثر الأشخاص عملت أجهزة الحكم الأوروبية، كل في نطاق شعبه، على حصره في صدر الفرد. أجهزة الحكم لم تمنع الفرد الأوروبي أن يفهم أن أميركا تريد تحويله إلى لا شيء في الوجود الحاضر. لكن منعته أن يبحث هذا الموضوع مع غيره. لم تتدخل في قناعة الفرد لكن منعت تفاعل هذه القناعة مع الآخر. نجحت في جعله موضوعًا يتعلق بالفرد لا بالمجتمع. منعته أن يكون موضوعًا عامًا. الموضوعُ العام هو الموضوع الذي يهم الرأي العام. من صفاته أنه موضوع يؤثر في حياة الفرد جماعيًا. إذ الإنسانُ في طبيعة فرديته أنه كائن اجتماعي. اجتماعي تعني أنه يحب العيش مع غيره وليس منعزلًا أو منفردًا. هذه طبيعة فيه ما زالت حيةً حتى في إنسان حضارة الديمقراطية الأوروبية، خاصة الأميركية، التي تحاول أن تفرض عليه أن يتحول إلى ذئبٍ متفرِّدٍ في شراسته لا يختلط بغيره إلا بعد دراسة الذئب لقوة وحركة فريسته حتى ينقض عليها انقضاض الموت. وكلما ازداد شذوذُ فكر الفردية في الفرد الأوروبي وخاصة الأميركي نرى في المقابل تحركًا في عاطفة الاجتماع عند الفرد بسبب اضطرار الطبيعة للتوازن مع غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت