الصفحة 72 من 233

الفوضى الفكرية العارمة حالة يلزم بيان حجتها حتى يستمر القارئ الرصين في المحافظة على خيط الضوء الذي يلزمه لفهم ما نقول. الفوضى الفكرية لها شرط واحد حتى تتحقق بالفعل والواقع، لكن لها حالات متعددة. الفرق بين شرطها وحالتها أنه لا يمكن معالجتها بدون التعامل مع شرطها. معالجتها تعني القضاء عليها، أي لا يمكن الخروج منها إلا بمعالجة السبب الذي أوجدها والسبب هو واحد وليس عدة أسباب. الذي يقول أن هناك عدة أسباب للفوضى الفكرية هو ذلك الذي لا يفرق بين السبب والحالة. السبب هو شرط الوجود، الحالة هي مظهر الوجود. في توضيح ذلك نأخذ مثلًا التملك. حبُّ التملك في الفرد طبيعةً فيه، لا يوجدُ إنسان لا يوجد فيه حب للتملك. الزهدُ هو فعلُ كبتٍ وليس طبيعةً والكبت للطبيعة يحتاج إلى قوة خارقة من الذات أو من الغير. كلاهما قهر لطبيعةٍ في الفرد. الزاهد يكبت في نفسه الطاقة التي اختار عدم التجاوب معها أي إشباعها. إذا قرر كبتَ حب التملك تخلى عما يملك وعاش دون سعي للمزيد من التملك. لكن حتى هذا يبقى نجاحه نسبيًا لا مطلقًا، لأن التملك طبيعة إنسانية وليس اكتسابًا فرديًا فلا بد من الإشباع ولو بأحطِّ مستوياته. الزهد لا يعني التخلي المطلق عن التملك بل يعني القناعة بالتملك القليل. لذلك نرى الزاهد يحتفظ بثوب يستر عورته ومكانٍ ينام فيه ووعاءٍ يأكل منه. حتى أكثر الزهاد شذوذًا تراه يحمل كوبه لا يشارك به غيره لكن إمعانًا في شذوذه قد يشارك فيه كلبه. مع هذا يبقى الزهدُ شذوذًا أو فضيلةً حالةً مكتسبةً لا طبيعة. لهذا نرى الرأي العام يحتقر من يدعو إلى كبت طبيعةٍ في الإنسان، ويزداد احتقارًا لمن يفرض كبت طبيعة في الإنسان بقوة القهر. مثلًا أكثر الناس المحتقرين في التاريخ الحديث هم لينين وستالين والشيوعيون الذين فرضوا كبتَ عاطفة الأمومة عند النساء. فالأمومة طبيعة في المرأة ليست نتيجة اكتساب معرفة. يليهم في المرتبة بين المحتقرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت