الصفحة 90 من 233

مبررًا مزوَّرًا في فكره وواقعه. الذي يصطنع نفسه في سلوكه حمارًا هو الذي يقوم بتشويه طبيعته أو تشويه مظهرٍ من مظاهر طبيعته أو يفرض على غيره تشويهًا في الطبيعة أو مظهرها.

نضحكُ من أساطير الإغريق ليس من ذكاءٍ في وقتنا بل من حقيقةٍ في معرفتنا. بهذا نتذكر الأوروبي في بطش فسادِ فكر الرومان بعقولهم وبصائرهم وقلوبهم. لم يعرف الجنس البشري إنسانًا منذ نشوئه وحتى اليوم ـ يوم كتابة هذه السطور ـ عاش ممنوعًا عليه أن يفكر في حقائق حياته كما فُرضَ على الأوروبي. أباطرةُ الرومان فرضوا عليه أنهم آلهة فوق آلهة البشر. لما رفضت قبائل الجبال والأدغال أن يكون صنم الإمبراطور أكبر من صنم إلههم قتلهم الرومان بتهمة أنهم همجيون (1) بربريون وثنيون. الرومان أكذب أمم الأرض في وثنيتهم وأكثرهم فحشًا في القتل والنهب والكذب يتهمون الذين لا يفرضون وثنيتهم ـ لأنهم لا يستطيعون ـ أنهم وثنيون. تمامًا كما تفرض أميركا على المسلمين أنهم إرهابيون حتى تقتلهم وتحتل بلادهم أو تصادر دوائر استخباراتهم وعمليات جيوشهم وسجلات مصارفهم وأحزابهم وجمعياتهم وجوامعهم، وتغير برامج مدارسهم وجامعاتهم، وتفرض معايير فكرهم ومقاييس فهمهم وقِيمَ حياتهم. عندما لم يبقَ في مجال الرمحِ الروماني مَنْ يقتله لأنه وثني (2)

(1) 1 - الهمجي تعني المتخلف عن السير في مسيرة الحضارة التي تسيطر بغض النظر عن رقي أو انحطاط تلك الحضارة. أيضًا دون اعتبارٍ لقناعة المتخلف بخطأ أفكار وغايات وواقع هذه الحضارة. هكذا أصبحت تعني الذي يقاطع التمدن؛ غير المتمدن.

(2) 2 - ذلك بعد إذعان الجميع للطلب الروماني أن تكون كرامة الروماني فوق كرامة الوثني وأن يكون صنم الإمبراطور أكبر من صنم الإله، أي إله. تمامًا كما تطلب أميركا من دول الأرض أن يكون أمن أميركا قبل أمنها وأن تكون كرامة حياة الأميركي فوق كرامة إنسان رعيتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت