الصفحة 118 من 279

2 ـ ولاَنّ السفر بقصد الزيارة هو ظاهر الطلب وموضع الحث في بعض النصوص: ـ كما في قوله تعالى: ( ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًّا رحيمًا ) فمجيؤهم إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو متعلِّق التوبة والرحمة، فلم يطلب منهم الاستغفار وحده، بل طلب أولًا مجيئهم إلى الرسول ثمَّ الاستغفار بحضرته ليستغفر لهم هو صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا أمر صريح بالسفر إلى الرسول، وقد رأينا الاتفاق على أن مشروعيته ثابتة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما كانت ثابتة في حياته.ـ وكما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من جاءني زائرًا لا تُعْمِلُهُ حاجة إلاّ زيارتي» فإنّه صريح في السفر بقصد زيارته صلى الله عليه وآله وسلم ، لا يشترك معها قصد آخر.ـ وهكذا كلُّ حديثٍ يقول فيه صلى الله عليه وآله وسلم: «من زارني ـ أو ـ من زار قبري» فإنّه عامٌّ يدخل فيه القريب والبعيد.هذه المقدمة كافية لوحدها في إثبات بطلان ما تمسك به البعض في تحريم السفر بقصد الزيارة، إضافةً إلى ما تنطوي عليه شبهتهم من تهافت واضح..وهي شبهة قائمة على فهم حرفي خاطئ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الاَقصى» .فقال هؤلاء: هذا يعني أنّ السفر إلى غير هذه الاَماكن الثلاثة حرام! وأنّ السفر بأي قصد غير قصد هذه الاَماكن الثلاثة تعظيمًا، والصلاة فيها حرام!! قال بهذا نفر من المفرطين في السطحية في فهم النص، فلما انتصر له ابن تيمية أصبح هو مذهب دعاة السلفية حتى اليوم.. (1) . وهذه الشبهة مردودة؛ أولًا: بما تقدم في الفصول السابقة. وثانيًا: بالمقدمة الآنفة الذكر. وثالثًا: بالحديث الذي تمسكوا به نفسه.فالحديث يقول: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد» . والاستثناء هنا يعود إما إلى المساجد، فيكون المعنى: لا يجوز شدّ الرحال لشيء من المساجد تعظيمًا لها، إلاّ المساجد الثلاثة المذكورة في الحديث.. وهذا هو الراجح، لاَنه لا يتعارض مع أوامر الشريعة، أو حثها على شدّ الرحال إلى أماكن كثيرة وبمقاصد كثيرة، كما لا يتعارض مع واقع السيرة النبوية الشريفة وسيرة المسلمين، كما سيأتي.أو أنه استثناء من شدّ الرحال، فيكون المعنى: لا يجوز شدّ الرحال إلى شيء من الاَماكن إلاّ المساجد الثلاثة.. وهذا هو الذي تمسك به أصحاب هذه الشبهة. وليس لهذا الكلام معنى إلاّ أن يراد به قصد مكان من الاَماكن تعظيمًا له بذاته، ولذلك جعلوا النذر بالسفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ليس ملزمًا..وعلى هذا المعنى سوف يخرج كل سفر إلى أي مكان من الاَماكن، لا بقصد تعظيمه بذاته، بل لخصوصية فيه، من حكم النهي.. فشدّ الرحال إلى مكان ما لغرض طلب العلم، ليس هو تعظيمًا للمكان المقصود بذاته.. وشدّ الرحال إلى مواقع الجهاد أو لحماية الثغور أو لصلة الرحم ونحو ذلك، ليس فيه شيء من تعظيم الاَماكن المقصودة، فليست هذه الاَماكن هي علّة السفر لعظمة شأنها، وإنَّما هي غاية السفر لخصوصيات فيها.

(1) انظر: كتاب الزيارة> ابن تيمية:18 ـ 21، المسألة الثانية. ... وهكذا يقال في شأن الزيارة، فلم يكن موقع القبر هو علّة السفر، وإنّما علّة السفر هو من فيه، فهو بهذا خارج أيضًا عن حكم النهي.ولا يمكن قبول أي تفسير آخر للحديث يحرّم السفر إلى أي مكان غير المساجد الثلاثة بأي قصد كان، فالسفر في طلب العلم قد يرقى إلى الوجوب الكفائي أحيانًا، وكم شدّ الرحال تابعون كبار في طلب حديث واحد عند رجل في مكان ناءٍ.. والهجرة قد تجب أحيانًا، كما كان في الهجرة من مكة إلى المدينة، ولقد هاجرت أسرة ابن تيمية نفسه من حرّان إلى دمشق فرارًا بحياتهم من المغول.. وهكذا القول مع الجهاد وسدّ الثغور وصلة الرحم، وإسداء النصح، والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من المقاصد التي حثت عليها الشريعة.وهذا ما يفسّر ورود الحديث بصيغة أُخرى ليس فيها نهي ولا تخصيص، فقد جاء في رواية معمر عن الزهري: «تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد» أخرجه مسلم (1) .وقد قال بعض العلماء: الصحيح إباحة السفر لزيارة القبور والمشاهد، وجواز القصر فيه (2) ، لاَن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأتي قباء ماشيًا وراكبًا، وكان يزور القبور، وقال: «زوروها تذكّركم الآخرة» . وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد» فيحمل على نفي الفضيلة، لا على التحريم، وليست الفضيلة شرطًا في إباحة القصر، ولا يضرّ انتفاؤها (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت