فهرس الكتاب
(1) صحيح مسلم ـ كتاب الحج ـ باب لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد. (2) اي قصر الصلاة، إذ لا يجوز القصر في الاَسفار المحرمة. (3) المغني> ابن قدامة 2: 103. والمراد بنفي الفضيلة هو أن المساجد الاَخرى متساوية في الفضل، فلا معنى لتفضيل بعضها على بعض.وقال الغزالي في آداب السفر: القسم الثاني أن يسافر لاَجل العبادة، إما لجهاد، أو حج.. ويدخل في جملته زيارة قبور الاَنبياء عليهم السلام وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والاَولياء، وكل من يُتبَرّك بمشاهدته في حياته يُتبرك بزيارته بعد وفاته. ويجوز شد الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله عليه السلام: «لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الاَقصى» لاَن ذلك في المساجد، فإنها متماثلة بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الاَنبياء والاَولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتًا عظيمًا بحسب اختلاف درجاتهم عند الله تعالى.قال: أما البقاع فلا معنى لزيارتها سوى المساجد الثلاثة، وسوى الثغور للرباط بها، فالحديث ظاهر في أنه لا تشدّ الرحال لطلب بركة البقاع إلاّ إلى المساجد الثلاثة (1) .ثمَّ تمسّك أصحاب هذه الشبهة بأنّ السلام والدعاء يصل الموتى من بعد، فلم يبقَ في الزيارة إلاّ قصد الاَماكن، وهو منهي عنه في الحديث.وهذا مردود؛أولًا: بأن الزائر لا يقصد البقعة بذاتها، وإنَّما يقصد زيارة مَنْ فيها.وثانيًا: هو مردود أيضًا بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان يخرج إلى البقيع مرارًا، كما تقدم في حديث عائشة، ويخرج إلى قبور الشهداء خارج المدينة، ليسلّم عليهم (1) إحياء علوم الدين 2: 398 ـ كتاب آداب السفر ـ ط دار الوعي بحلب. ويدعو لهم، وقد كان يكفيه ذلك من مكانه لو كان الاَمر كما يقولون، فلِمَ كان يخرج إلى القبور ويقف عندها، ويأمر أصحابه بزيارتها؟ هذا وقد وضع أصحاب هذه الشبهة فتاوى مختلفة، كشف عنها السبكي وكشف زورها (1) . 0
الشبهة الثانية: إنّ السفر بقصد الزيارة بدعة! وهي مترتِّبة على الشبهة الاَولى..قال ابن تيمية، موهمًا كعادته، أنه ينقل عن أهل العلم إجماعهم، (قالوا: ولاَن السفر إلى زيارة قبور الاَنبياء والصالحين بدعة، لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله فهو مخالف للسنّة ولاِجماع المسلمين) .ثمَّ أسند قوله هذا إلى ابن بطة وحده في (الاِبانة الصغرى) .وسيسوقه هذا القول إلى التكذيب بكل الاَحاديث التي وردت في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد صنع ذلك، فقال: (ليس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زيارة قبره ولا قبر الخليل حديثًا ثابتًا أصلًا) (2) وقال أيضًا: (والاَحاديث الكثيرة المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة، بل موضوعة، ولم يرو الاَئمة ولا أصحاب السنن المتبعة كسنن أبي داوود والنسائي ونحوهما فيها شيئًا) (3) .
(1) راجع شفاء السقام:126 ـ 127. (2) كتاب الزيارة:12 ـ 13 ـ المسألة الاَولى. (3) كتاب الزيارة:38 ـ المسألة الرابعة. وفيه: 1 ـ إنّ الاَحاديث التي مرّ ذكرها في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، وحتى القسم الاَخير منها لم يقع في إسانيدها من هو متهم بالكذب والوضع، فكيف يقال انّها كلها موضوعة؟!2 ـ لقد عاد ابن تيمية نفسه إلى كتب السنن المتبعة، ولابدّ له أن يعود فهي مبثوثة بين أيدي الناس، وليعترف أن الحديث في زيارته صلى الله عليه وآله وسلم قد أخرجه الدارقطني وابن ماجة! (1) وفيه ردّ لقوله الاَول.3 ـ ومن كلام ابن تيمية نفسه في كتاب آخر له نأتي على نقيض ما اعتمده هنا، ينفيه ويثبت ضدّه، فهو حين كان في معرض الحديث عن موضع رأس الحسين عليه السلام وتخطئة من يذهب إلى أنه دفن في عسقلان أو القاهرة، قال: (فإذا كانت تلك البقع لم يكن الناس ينتابونها ولا يقصدونها، وإنَّما كانوا ينتابون كربلاء لاَن البدن هناك، كان دليلًا على أن الناس في ما مضى لم يكونوا يعتقدون أن الرأس في شيء من هذه البقاع) . ثمَّ قال: (ولكن الذي اعتقدوه هو وجود البدن في كربلاء، حتى كانوا ينتابونه في زمن أحمد وغيره، حتى أنّ في مسائله(2) : (مسائل في ما يُفعل عند قبره) ـ أي قبر الحسين عليه السلام ـ ذكرها أبو بكر الخلال في جامعه الكبير في زيارة المشاهد) (3) .4 ـ في اعتماد ابن تيمية على ابن بَطّة مسألتان: