الصفحة 163 من 279

النَّذْرُ عَلَى مَا نَوَى , وَإِنْ نَوَى إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَصَلَ مَا نَوَاهُ كَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَرْعٌ ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ وَدَلِيلُهُ هُنَا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ , وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ , وَهُوَ مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا . وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ , وَقَالَ مَالِكُ وَطَائِفَةٌ: الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً فِي آخِرِ بَابِ مَا يَجِبُ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ , وَفِي أَوَاخِرِ بَابِ صِفَةِ الْحَجِّ فِي مَسْأَلَةِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ . ( وَاعْلَمْ ) أَنَّا حَكَيْنَا هُنَاكَ أَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ الْأَرْضِ , وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا سِوَاهُ , وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تَعَرُّضًا لِمَا نَقَلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ , ثُمَّ إنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ تَفْضِيلَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَا يَخْتَصُّ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ , بَلْ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ , وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِمَعْنَى هَذَا فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ , وَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكِ , وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يَخْتَصُّ بِالْفُرُوضِ وَهُوَ إطْلَاقُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . .

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى ( وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى , وَلَمْ يَقُلْ الْحَرَامِ وَلَا نَوَاهُ , فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْبَيْتَ الْمُطْلَقَ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامِ فَحُمِلَ مُطْلَقُ النَّذْرِ عَلَيْهِ , وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْبَيْتَ يَقَعُ عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ , فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ , فَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بُقْعَةٍ مِنْ الْحَرَمِ لَزِمَهُ الْمَشْيُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِأَنَّ قَصْدَهُ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ فَكَانَ إيجَابُهُ إيجَابًا لِلْإِحْرَامِ , وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى عَرَفَاتٍ لَمْ يَلْزَمْهُ , لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَصْدُهُ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ فَلَمْ يَكُنْ فِي نَذْرِهِ الْمَشْيُ إلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ إيجَابِ الْمَشْيِ , وَذَلِكَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ . وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَمْ يَلْزَمْهُ , لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى , وَمَسْجِدِي هَذَا } وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَوْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ , قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ: يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِشَدِّ الرِّحَالِ إلَيْهِ فَلَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ بِالنَّذْرِ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , وَقَالَ فِي الْأُمِّ: لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ لَا يَجِبُ قَصْدُهُ بِالنُّسُكِ فَلَمْ يَجِبْ الْمَشْيُ إلَيْهِ بِالنَّذْرِ كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت