الصفحة 174 من 279

فَصْلٌ مَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلَاةَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَمْ يُجْزِئْهُ فِي غَيْرِهَا ( هـ ) لِفَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا , وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ: يَتَعَيَّنُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَقَطْ . وَإِنْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهُ , لِأَنَّهُ أَفْضَلُهَا , احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ , فَدَلَّ إنْ قُلْنَا إنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ أَنَّ مَسْجِدَهَا أَفْضَلُ ( ر م ) وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ , وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ . وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهُ , لِأَنَّهُ دُونَهُ , إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ عَلَى مَا سَبَقَ . وَإِنْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى أَجْزَأَهُ الْمَسْجِدَانِ فَقَطْ , نَصَّ عَلَيْهِ , لِأَفْضَلِيَّتِهِمَا عَلَيْهِ ( م ) فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ . وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَتَعَيَّنْ , لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ } وَذَكَرَهَا , مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ , وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ: { إنَّمَا يُسَافَرُ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ } فَلَوْ تَعَيَّنَ احْتَاجَ إلَى شَدِّ رَحْلٍ , كَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ , وَهُوَ صَحِيحٌ فِيمَا إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ , وَخَالَفَ فِيهِ اللَّيْثُ , وَيَتَوَجَّهُ إلَّا مَسْجِدَ قُبَاءَ , وِفَاقًا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيِّ , لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ {: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَزُورُ قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا } . وَفِي رِوَايَةٍ {: كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ , كَانَ يَأْتِيهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ } . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ , مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلِلنَّسَائِيِّ [ وَابْنِ مَاجَهْ ] مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ {: إنَّ مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيُصَلِّيَ فِيهِ كَانَ لَهُ عَدْلُ عُمْرَةٍ } , وَعَنْ أُسَيْدَ بْنِ ظُهَيْرٍ مَرْفُوعًا { الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ كَعُمْرَةٍ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ , وَلَا نَعْرِفُ لِأُسَيْدٍ شَيْئًا يَصِحُّ غَيْرُ هَذَا . وَفِيهِ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْأَيَّامِ بِالزِّيَارَةِ , وَكَرِهَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيُّ . أَمَّا مَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَدِّ رَحْلٍ فَمَفْهُومُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي يَلْزَمُ فِيهِ , وَهُوَ ظَاهِرُ الِانْتِصَارِ , فَإِنَّهُ قَالَ: الْقِيَاسُ لُزُومُهُ تَرَكْنَاهُ لِقَوْلِهِ { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ } . وَذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ احْتِمَالًا فِي تَعْيِينِ الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ لِلصَّلَاةِ , وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ تَعْيِينَهُ لَهَا , قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: لِأَنَّهُ أَفْضَلُ , قَالَ: وَنَذْرُ الِاعْتِكَافِ مِثْلُهُ , وَأَطْلَقَ شَيْخُنَا وَجْهَيْنِ فِي تَعْيِينِ مَا امْتَازَ بِمِزْيَةٍ شَرْعِيَّةٍ , كَقِدَمٍ وَكَثْرَةِ جَمْعٍ , وَاخْتَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَتَعَيَّنُ , وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِهَذَا فِي الْمَسْجِدِ الْقَرِيبِ , وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَلَّابِ مِنْهُمْ , وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ , وَذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا , وَبَعْضُهُمْ قَوْلًا فِي تَعْيِينِ الْمَسَاجِدِ لِلِاعْتِكَافِ , وَاحْتَجُّوا لِعَدَمِ التَّعْيِينِ بِأَنَّهُ لَا مِزْيَةَ لِبَعْضِ الْمَسَاجِدِ عَلَى بَعْضٍ بِمِزْيَةٍ أَصْلِيَّةٍ , وَهَذَا يَبْطُلُ بِقُبَاءَ , ثُمَّ هِيَ طَاعَةٌ , فَتَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ , ثُمَّ مَا الْفَرْقُ ؟ وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَكَانًا: وَيَبْطُلُ بِبِقَاعِ الْحَجِّ . وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ لَا يَخْتَصَّانِ بِمَكَانٍ , بِخِلَافِ الصَّوْمِ , كَذَا قَالَا ( م هـ ) فَعَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ يَعْتَكِفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي عَيَّنَهُ , وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ إنْ وَجَبَتْ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَبِّ . وَكَذَا الصَّلَاةُ ( م 6 ) وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: يُصَلِّي فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَيْضًا , وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِمْ , وَهُوَ مُتَّجَهٌ . وَإِنْ أَرَادَ الذَّهَابَ إلَى مَا عَيَّنَهُ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَدِّ رَحْلٍ خُيِّرَ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت