الصفحة 88 من 279

أَنْوَاعُ الِاسْتِغَاثَةِ بِالْخَلْقِ: 7 - وَالِاسْتِغَاثَةُ بِالْخَلْقِ - فِيمَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ - تَكُونُ عَلَى أَرْبَعِ صُوَرٍ: أَوَّلُهَا: أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ بِالْمُتَوَسَّلِ بِهِ تَفْرِيجَ الْكُرْبَةِ , وَلَا يَسْأَلُ الْمُتَوَسَّلَ بِهِ شَيْئًا , كَقَوْلِ الْقَائِلِ: اللَّهُمَّ بِجَاهِ رَسُولِك فَرِّجْ كُرْبَتِي . وَهُوَ عَلَى هَذَا سَائِلٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ , وَمُسْتَغِيثٌ بِهِ , وَلَيْسَ مُسْتَغِيثًا بِالْمُتَوَسَّلِ بِهِ . وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ شِرْكًا , لِأَنَّهَا اسْتِغَاثَةٌ بِاَللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَلَيْسَتْ اسْتِغَاثَةً بِالْمُتَوَسَّلِ بِهِ ; وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: 8 - الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: جَوَازُ التَّوَسُّلِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ حَالَ حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ مَمَاتِهِمْ . قَالَ بِهِ مَالِكٌ , وَالسُّبْكِيُّ , وَالْكَرْمَانِيُّ , وَالنَّوَوِيُّ , وَالْقَسْطَلَّانِيُّ , وَالسَّمْهُودِيُّ , وَابْنُ الْحَاجِّ , وَابْنُ الْجَزَرِيِّ . 9 - وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الِاسْتِغَاثَةِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ , مِنْهَا مَا وَرَدَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلُ { أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك , وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا إلَيْك } ". وَمِنْهَا مَا قَالَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فِي الدُّعَاءِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أُسْدٍ { اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أُسْدٍ , وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا , بِحَقِّ نَبِيِّك وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي , فَإِنَّك أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . } وَمِنْ الْأَدِلَّةِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي } . وَمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى مُوسَى وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ } وَالصَّلَاةُ تَسْتَدْعِي حَيَاةَ الْبَدَنِ . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عِنْدَ قوله تعالى { وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ تُقَاتِلُ غَطَفَانَ , كُلَّمَا الْتَقَتَا هَزَمَتْ غَطَفَانُ الْيَهُودَ , فَدَعَتْ الْيَهُودُ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك بِحَقِّ الَّذِي وَعَدْتنَا أَنْ تُخْرِجَهُ لَنَا إلَّا نَصَرْتنَا عَلَيْهِمْ . فَكَانُوا إذَا الْتَقَوْا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ فَتَهْزِمُ الْيَهُودُ غَطَفَانَ . وقوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } . وَهَذَا تَفْخِيمٌ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَتَعْظِيمُهُ صلى الله عليه وسلم لَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ . وَيَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ الْأَعْمَى الْمُتَوَسِّلِ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رَدِّ بَصَرِهِ . 10 - الْقَوْلُ الثَّانِي: أَجَازَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ الِاسْتِغَاثَةَ بِاَللَّهِ مُتَوَسِّلًا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالصَّالِحِينَ حَالَ حَيَاتِهِمْ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحْدَهُ . وَاسْتَشْهَدَ لِهَذَا بِحَدِيثِ الْأَعْمَى الَّذِي دَعَا اللَّهَ سُبْحَانَهُ مُتَوَسِّلًا بِرَسُولِ اللَّهِ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ . فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ { رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَاهُ عليه الصلاة والسلام . فَقَالَ: اُدْعُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَافِيَنِي , فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: إنْ شِئْت أَخَّرْت وَهُوَ خَيْرٌ , وَإِنْ شِئْت دَعَوْت . فَقَالَ: اُدْعُ قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِحَبِيبِك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ , يَا مُحَمَّدُ , إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّك فِي حَاجَتِي لِتُقْضَى . اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِي } وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَزَادَ: فَقَامَ , وَقَدْ أَبْصَرَ . 11 - الْقَوْلُ الثَّالِثُ: عَدَمُ جَوَازِ الِاسْتِغَاثَةِ إلَّا بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , وَمُنِعَ التَّوَسُّلُ فِي تِلْكَ الِاسْتِغَاثَةِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ , أَحْيَاءً كَانُوا أَوْ أَمْوَاتًا . وَصَاحِبُ هَذَا الرَّأْيِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ,"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت