الصفحة 89 من 279

وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } . وَبِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه , أَنَّهُ { كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُنَافِقٌ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ , فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ } . الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: 12 - اسْتِغَاثَةٌ بِاَللَّهِ وَاسْتِغَاثَةٌ بِالشَّفِيعِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهُ: وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ , وَيَسْأَلَ الْمُتَوَسَّلَ بِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ , كَمَا كَانَ يَفْعَلُ الصَّحَابَةُ , وَيَسْتَغِيثُونَ وَيَتَوَسَّلُونَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الِاسْتِسْقَاءِ , ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ , وَيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيِّ رضي الله عنهما , فَهُوَ اسْتِغَاثَةٌ بِاَللَّهِ , وَاسْتِغَاثَةٌ بِالشَّفِيعِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ . فَهُوَ مُتَوَسِّلٌ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ , وَهَذَا مَشْرُوعٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي حَيَاةِ الشَّفِيعِ , وَلَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ . فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ , كُلُّ ضَعِيفٍ مُسْتَضْعَفٍ , لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ } قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى اللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا لَأَوْقَعَ مَطْلُوبَهُ , فَيَبَرُّ بِقَسَمِهِ إكْرَامًا لَهُ , لِعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَعْضَ , النَّاسِ خَصَّهُ اللَّهُ بِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ , فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَ فَيَدْعُوَ لِلْمُسْتَغِيثِ , وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي آثَارٍ كَثِيرَةٍ عَنْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَالصَّحَابَةِ . الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: اسْتِغَاثَةٌ فِي سُؤَالِ اللَّهِ: 13 - وَهِيَ أَنْ يَسْتَغِيثَ الْإِنْسَانُ بِغَيْرِهِ فِي سُؤَالِ اللَّهِ لَهُ تَفْرِيجَ الْكَرْبِ , وَلَا يَسْأَلُ اللَّهَ هُوَ لِنَفْسِهِ . وَهَذَا جَائِزٌ لَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ } أَيْ بِدُعَائِهِمْ , وَصَلَاتِهِمْ , وَاسْتِغْفَارِهِمْ . وَمِنْ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم { كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ } . أَيْ يَسْتَنْصِرُ بِهِمْ . فَالِاسْتِنْصَارُ وَالِاسْتِرْزَاقُ يَكُونُ بِالْمُؤْمِنِينَ بِدُعَائِهِمْ , مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ مِنْهُمْ . لَكِنَّ دُعَاءَهُمْ وَصَلَاتَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ , وَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْتَنْصِرِ بِهِ وَالْمُسْتَرْزِقِ بِهِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: { إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ . مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ } . وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ: { فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَك فَافْعَلْ } وَقَوْلُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ لَمَّا وَدَّعَهُ لِلْعُمْرَةِ: { لَا تَنْسَنَا مِنْ دُعَائِك } . الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: 14 - أَنْ يُسْأَلَ الْمُسْتَغَاثُ بِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ , وَلَا يُسْأَلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى , كَأَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِ أَنْ يُفَرِّجَ الْكَرْبَ عَنْهُ , أَوْ يَأْتِيَ لَهُ بِالرِّزْقِ . فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ وَقَدْ عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ الشِّرْكِ ,"لقوله تعالى { وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُك وَلَا يَضُرُّك فَإِنْ فَعَلْت فَإِنَّك إذًا مِنْ الظَّالِمِينَ . وَإِنْ يَمْسَسْك اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْك بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: { شُجَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ , فَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ؟ فَنَزَلَتْ لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ } فَإِذَا نَفَى اللَّهُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت