الصفحة 98 من 279

, كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ , فَإِنَّهُ يَقَعُ بِسَبَبِ زِيَارَةِ النِّسَاءِ الْقُبُورَ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْفَسَادِ مَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ مِنْهُ عِنْدَ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ . وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ جِنْسَ زِيَارَةِ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ جِنْسِ اتِّبَاعِهِنَّ , وَأَنَّ نَهْيَ الِاتِّبَاعِ إذَا كَانَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ نَهْيُ الزِّيَارَةِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ , وَذَلِكَ أَنَّ نَهْيَ الْمَرْأَةِ عَنْ الِاتِّبَاعِ قَدْ يَتَعَذَّرُ لِفَرْطِ الْجَزَعِ , كَمَا يَتَعَذَّرُ تَسْكِينُهُنَّ لِفَرْطِ الْجَزَعِ أَيْضًا , فَإِذَا خَفَّفَ هَذِهِ الْقُوَّةَ الْمُقْتَضِي لَمْ يَلْزَمْ تَخْفِيفُ مَا لَا يَقْوَى الْمُقْتَضِي فِيهِ . وَإِذَا عَفَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَبْدِ عَمَّا لَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَعْفُوَ لَهُ عَمَّا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ بِدُونِ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ الْوَاجِبَةِ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: قَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَرِيقَيْنِ: { أَنَّهُ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ } , فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ , وَابْنُ مَاجَهْ , وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ , وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ , وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ; وَأَبُو دَاوُد , وَالنَّسَائِيُّ , وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ , وَفِي نُسَخٍ تَصْحِيحُهُ , وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ ذِكْرِ الزِّيَارَةِ فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ , وَقَدْ قَالَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ تَرَكَهُ شُعْبَةُ , وَلَيْسَ بِذَاكَ , وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ كَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ , وَلَيْسَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . وَقَالَ السَّعْدِيُّ وَالنَّسَائِيُّ لَيْسَ بِقَوِيِّ الْحَدِيثِ . وَالثَّانِي فِيهِ أَبُو صَالِحٍ بَاذَامُ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ , وَقَدْ ضَعَّفُوهُ . قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ تَرَكَ حَدِيثَ أَبِي صَالِحٍ , وَكَانَ أَبُو حَاتِمٍ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ , وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ تَفْسِيرٌ , وَمَا أَقَلُّ مَالِهِ فِي الْمُسْنَدِ , وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ رَضِيَهُ . قُلْتُ: الْجَوَابُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ كُلٌّ مِنْ الرَّجُلَيْنِ قَدْ عَدَّلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ , كَمَا جَرَّحَهُ آخَرُونَ , أَمَّا عُمَرُ فَقَدْ قَالَ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ , وَكَذَلِكَ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ مِنْ أَصْعَبِ النَّاسِ تَزْكِيَةً وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَرَكَهُ شُعْبَةُ , فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ . كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمْ يَسْمَعْ شُعْبَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ شَيْئًا , وَشُعْبَةُ , وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , وَمَالِكٌ , وَنَحْوُهُمْ قَدْ كَانُوا يَتْرُكُونَ الْحَدِيثَ عَنْ أُنَاسٍ لِنَوْعِ شُبْهَةٍ بَلَغَتْهُمْ , لَا تُوجِبُ رَدَّ أَخْبَارِهِمْ , فَهُمْ إذَا رَوَوْا عَنْ شَخْصٍ كَانَتْ رِوَايَتُهُمْ تَعْدِيلًا لَهُ وَأَمَّا تَرْكُ الرِّوَايَةِ فَقَدْ يَكُونُ لِشُبْهَةٍ لَا تُوجِبُ الْجُرْحَ , وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ قَدْ خُرِّجَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ عِبَارَةٌ لَيِّنَةٌ , تَقْتَضِي أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِي حِفْظِهِ بَعْضُ التَّغَيُّرِ , وَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا تَقْتَضِي عِنْدَهُمْ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ , وَلَا مُبَالَغَةً فِي الْغَلَطِ وَأَمَّا أَبُو صَالِحٍ: فَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا تَرَكَ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ , وَمَا سَمِعْت أَحَدًا مِنْ النَّاسِ يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا , وَلَمْ يَتْرُكْهُ شُعْبَةُ وَلَا زَائِدَةُ , فَهَذِهِ رِوَايَةُ شُعْبَةَ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ , كَمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ شُعْبَةَ . وَتَرْكُ ابْنِ مَهْدِيٍّ لَهُ لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ . فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ أَعْلَمُ بِالْعِلَلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت