الصفحة 99 من 279

وَالرِّجَالِ مِنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ , فَإِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ شُعْبَةَ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ أَعْلَمُ بِالرِّجَالِ مِنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ , وَأَمْثَالِهِ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ: يُكْتَبُ حَدِيثَهُ , وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ . فَأَبُو حَاتِمٍ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ , وَذَلِكَ أَنَّ شَرْطَهُ فِي التَّعْدِيلِ صَعْبٌ , وَالْحُجَّةُ فِي اصْطِلَاحِهِ لَيْسَ هُوَ الْحُجَّةُ فِي جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَهَذَا كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَنَّهُمْ رَضَوْهُ . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعَالِيَةِ , وَلِهَذَا لَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لَهُ , وَلِأَمْثَالِهِ . لَكِنَّ مُجَرَّدَ عَدَمِ تَخْرِيجِهِمَا لِلشَّخْصِ لَا يُوجِبُ رَدَّ حَدِيثِهِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ , فَيُقَالُ: إذَا كَانَ الْجَارِحُ وَالْمُعَدِّلُ مِنْ الْأَئِمَّةِ , لَمْ يُقْبَلْ الْجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا , فَيَكُونُ التَّعْدِيلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْجَرْحِ الْمُطْلَقِ . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ حَدِيثَ مِثْلِ هَؤُلَاءِ يَدْخُلُ فِي الْحَسَنِ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ , فَإِذَا صَحَّحَهُ مَنْ صَحَّحَهُ كَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ , وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْجَرْحِ إلَّا مَا ذُكِرَ , كَانَ أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحَسَنِ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَالْآخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَرِجَالُ هَذَا لَيْسَ رِجَالَ هَذَا , فَلَمْ يَأْخُذْهُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ , وَلَيْسَ فِي الْإِسْنَادَيْنِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ , وَإِنَّمَا التَّضْعِيفُ مِنْ جِهَةِ سُوءِ الْحِفْظِ , وَمِثْلُ هَذَا حُجَّةٌ بِلَا رَيْبٍ , وَهَذَا مِنْ أَجْوَدِ الْحَسَنِ الَّذِي شَرَطَهُ التِّرْمِذِيُّ , فَإِنَّهُ جَعَلَ الْحَسَنَ مَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ , وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مُتَّهَمٌ , وَلَمْ يَكُنْ شَاذًّا: أَيْ مُخَالِفًا لِمَا ثَبَتَ بِنَقْلِ الثِّقَاتِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ , وَلَيْسَ فِيهِ مُتَّهَمٌ , وَلَا خَالَفَهُ أَحَدٌ مِنْ الثِّقَاتِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يُخَافُ فِيهِ مِنْ شَيْئَيْنِ: إمَّا تَعَمُّدُ الْكَذِبِ , وَإِمَّا خَطَأُ الرَّاوِي , فَإِذَا كَانَ مِنْ وَجْهَيْنِ لَمْ يَأْخُذْهُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ , وَلَيْسَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ يَتَّفِقَ تَسَاوِي الْكَذِبِ فِيهِ: عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ ; لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الرُّوَاةُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكَذِبِ وَأَمَّا الْخَطَأُ فَإِنَّهُ مَعَ التَّعَدُّدِ يَضْعُفُ , وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما يَطْلُبَانِ مَعَ الْمُحَدِّثِ الْوَاحِدِ مَنْ يُوَافِقُهُ خَشْيَةَ الْغَلَطِ , وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمَرْأَتَيْنِ { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } هَذَا لَوْ كَانَا عَنْ صَاحِبٍ وَاحِدٍ , فَكَيْفَ وَهَذَا قَدْ رَوَاهُ عَنْ صَاحِبٍ , وَذَلِكَ عَنْ آخَرَ , وَفِي لَفْظِ أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى لَفْظِ الْآخَرِ , فَهَذَا كُلُّهُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ مَعْرُوفٌ . فَإِنْ قِيلَ: فَهَبْ أَنَّهُ صَحِيحٌ , لَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ , فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَنْسَخُهُ , وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ , وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ , وَرَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ { أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ الْمَقَابِرِ , فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ , أَلَيْسَ كَانَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ , كَانَ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ , ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا } . قِيلَ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الْخِطَابُ بِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَتَنَاوَلْ النِّسَاءَ , فَلَا يَدْخُلْنَ فِي الْحُكْمِ النَّاسِخِ . الثَّانِي: خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ , وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: { لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ , أَوْ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ } وَقَوْلُهُ:"فَزُورُوهَا"بِطَرِيقِ التَّبَعِ , فَيَدْخُلْنَ بِعُمُومٍ ضَعِيفٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالرِّجَالِ , إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِلًا لِلنِّسَاءِ , وَالْعَامُّ إذَا عُرِفَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت