إذا قامت حرب نفر أهل كل إمارة إليها فيجهز أفراد منهم على حسابهم حملة بحرية على أموال العدو يأسرونها وعلى تجارة المحايدين معه يمنعونها وكان هؤلاء يسمون Corsaires ومنها جاء لفظ القرصان إلا أنهم يتميزون عن لصوص البحار Pirates بأنهم:
1 -يحملون أمرًا من أميرهم، واللصوص لا يحملون أمرًا.
2 -أنهم لا ينفرون إلا في حالة حرب، ولصوص البحر يقطعونه في السلم والحرب معًا.
3 -أنهم يتبعون التعليمات والقواعد الرعية في هذا الشأن فلا يتعرضون إلا لأموال العدو ولتجارة المحايدين غير الجائزة مع العدو، في حين أن اللصوص يتعرضون لأموال جميع التجار ولا يتبعون قانونًا.
4 -عليهم أن يقدموا مغانمهم إلي ديوان البحرية، أما اللصوص فيمتلكون ما يسرقونه.
لكن هؤلاء القرصان ما كانوا ينفرون إلى الحرب بدافع الوطنية بل بدافع المصلحة الشخصية في الغنائم، ولذلك انحط كثيرون منهم في أعمالهم إلى درجة اللصوص فارتكبوا مآثم كثيرة روعت بعضها كثيرًا من الممالك.
وكان القائمون بتجهيز المراكب لهذا الغرض أحيانًا يحلفون البحارة قبل استخدامهم إيمانًا مغلظة أن لا يشهدوا على مآثمهم ولا يفشوا أسرارهم وكان من أحطها أن يتفاهم هؤلاء القرصان مع مركب من أعدائهم فيأسرونها برضائها حتى إذا حكم لهم باغتناها اقتسموها مع بحارتها.
ولم يكونوا مسؤولين عن أعمالهم إلا إذا انحطوا إلى درجة اللصوصية وثبت ذلك عليهم فيعاقبون عقاب اللصوص بالشنق.
وكان يترتب على سوء تصرفاتهم أن يطالب الذين نهبت أموالهم بحقهم لدى الدولة التي يتبعها هؤلاء القرصان، ونشأت عن ذلك مشاكل بين دول ذلك العصر.
ولذلك بدأت حركة مقاومتهم في جميع الدول فسنت قوانين تمنع رعايا دولة من خدمة دولة أجنبية في القرصنة وتمنع إصدار النفير إلى أجانب بغير رضاء دولتهم.
ثم فرض على القرصان الحصول على إذن من ديوان البحرية حتى يتأكد الديوان من كفاية التجهيزات البحرية وتقديم ضمانة شخصية من شخص معتمد يكفل التعويضات والغرامات التي قد يحكم بها على هؤلاء بما لا يزيد عن 1500 جنيهًا، كما فرض على القادة ثم على جميع البحارة أن يقسموا يمينًا باحترام القوانين والقواعد المرعية.
وما زالت القيود تفرض وتزاد حتى شملت أيضًا:
1 -تحريم الاتفاق مع أصحاب الغنيمة على مفاداة مجلس الغنائم.
2 -تحريم إغراق الغنيمة في البحر إلا في أحوال خاصة.
3 -وجوب استحضار شهود الغنيمة من أصحابها.
4 -وجوب استحضار جميع أوراق السفينة المغتنمة.
5 -إحضار اثنين أو ثلاثة من كبار رجال السفينة أسرى.
وكان يجوز للقرصان قبول الفدية عن الغنيمة ونظرًا لاحتمال التلاعب في ذلك منع قبول الفدية في سنة 1780 في فرنسا.
أما استحضار الأسرى فكان الغرض منه الحصول على فدية لفك أسرهم.
أما استحضار شهود الغنيمة وأوراق المركب فكان القصد منه حماية حق أمير البحار في نصيبه في الغنيمة.
ثم كان على القرصان أن يرسوا بالغنيمة في البناء التي خرجوا منها وجهزوا فيها، وسبب ذلك أنه كان لأمير البحر نصيب في الغنيمة وكان في فرنسا وفي إنجلترا عدة أمراء بحار كل في إحدى الموانئ الكبرى، فلكيلا يغمط حق أحدهم نص على إحضار غنائم كل تجهيرة في الميناء التي جهزت فيها.
وكانت الغنائم تحفظ في المراكب حتى تباع إلا ما يخشى عليه من البقاء فيها فهذا يودع لدى شخص معتمد أو يخزن في مخزن ذي ثلاث مفاتيح - مفتاح يبقى مع أمير البحر ومفتاح مع القرصان وآخر مع أصحاب الغنيمة أو نائب الملك.
ثم كان عليهم أن يقدموا تقريرًا مكتوبًا بإحصاء الغنائم وبيان ظروف ضبطها ويقوم موظفو أمير البحر باستجواب القباطنة ثم الضباط ثم البحارة ومن يكون معهم من شهود الغنيمة أو من الأسرى ثم تترجم الأوراق المضبوطة على كل سفينة ثم يرسل هذا التحقيق إلى مجلس الغنائم.
وهذه الأحكام لم تنشأ كلها إلا تدريجيًا - من القرن الثاني عشر إلى الثامن عشر - فكلما ظهر سبب لحكم منها أجرى هذا الحكم بأمر عالٍ حتى تكون مجموعها قواعد القانون الدولي بهذا الخصوص في القرن الثامن عشر بني علي ثلاث قواعد:
1 -لا قرصنة بغير إذن صادر من الدولة وإلا اعتبر صاحبها من لصوص البحر Pirate قبل دولته وقبل الذين يعتدى عليهم في البحر فيحل قتله.
2 -يحق للقرصان في هذه الحالة أن يطلبوا الحكم لهم بمغانمهم.
3 -لا يمتلكون مغانمهم قبل الحكم لهم بها.
فمن هذه الإجراءات نشأت قاعدة (لا غنية بغير حكم) ، وعلى كل حال فإن القرصنة المشروعة سواء في السلم أو في الحرب قلت ابتداءً من القرن الثامن عشر وحرمت نهائيًا بمعاهدة باريس في 16 إبريل سنة 1856 ومن يحترفها من بعد يعتبر من لصوص البحار Pirates يوحل قتله.