الأمر بالثأر Lettres de Represailles
والأمر في حالة الحرب واضح وأما في حالة السلم فإنه أمر بالأخذ بالثأر.
والأخذ بالثأر كان عامًا في أكثر الأمم القديمة فيؤخذ الثأر في الاعتداء على المال من العائلة أو من البطن أو من القبيلة.
إنما أخذ الثأر من غير المعتدي لم يكن معروفًا في بلاد اليونان القديمة ولا لدى الرومان فليس في القانون الروماني منذ نشأته ما يبيح أخذ الثأر قانونًا من غير المعتدي لا في الجرائم ولا في الأموال وإنما دخلت هذه الفكرة السائدة في القبائل الجرمانية مع قبائل البربر الذين غزو الإمبراطورية الرومانية وأول ما ظهرت في البلاد الرومانية ظهر تحريمها Constitution de Zenon (Code Jusl. X1 59) ، ولذلك لما قاومت الكنيسة هذا الحق في العصور الوسطى استندت إلى أن القانون الروماني لا يبيحه.
والأخذ بالثأر في هذا مقصور على الأموال دون الأشخاص، وقد حدث في سنة 1369 أن أصدر برلمان باريس تفويضًا بالثأر ضد رئيس كنيسة Eveque بوترخت Utrecht لأن أتباعه تعدوا على أموال أهل باريس فقبض أهل باريس على بعض تجار من يوترخت فأصدر برلمان باريس أمرًا بالإفراج عنهم وقال في سبب ذلك إن التفويض بالثائر لا يبيح القبض على أفراد العدو.
وكانت إجراءات الثائر محددة بقوانين في موانئ البحر الأبيض المتوسط مثل جنوا وأراجون والبندقية وفلورنسا منذ القرن الثالث عشر تنص على إجراءات يتحتم اتباعها في الحصول على التفويض وفي تنفيذه بعد الحصول عليه، ومنها أن يثبت الطالب حقه وأنه سعى إليه في بلاد العدو فلم يعدل معه، ثم يسجل التفويض في المحكمة بعد الحصول عليه أو لدى ديوان البحرية، ثم يعلنه في بلاد العدو وينتظر مهلة تتراوح بين ثلاثة أشهر واثني عشر شهرًا ثم يباشر تنفيذه بنفسه أو بواسطة غيره فله حق التنازل عنه للغير الذي يجهز المراكب لهذا الغرض وما يغنمه من شيء يحضره إلى محكمة بلده فيباع علنًا حتى يستوفي حقه ومصاريفه ثم يعطى إيصالًا باستلام حقوقه وينتهي بذلك مفعول التفويض.
وكلما صدر تفويض بالثأر من بلد صدر ضده مثله من البلد الآخر ويؤدي ذلك إلى الإضرار بالتجارة البحرية وتعريض أموال تجار أبرياء للضبط والمصادرة، لذلك نشأ نظام يقضي بفرض ضرائب على تجارة البلد التي يطلب منها تعويض منعًا لمصادرة بضائع أهلها وحصل ذلك في البندقية وفي مرسيليا في سنة 1318، ولذلك أيضًا كان بعض التجار ذوي السمعة الحسنة يلجأون إلى الحصول على براءات من الثائر حين يتاجرون مع بلاد أخرى أو يقيمون فيها وتسمى Sauf Conduit.
وبقي هذا النظام معمولًا به حتى ألغي بمعاهدة باريس في 16 إبريل سنة 1856، وكان مبناه مسؤولية كل إمارة عن ديون أفرادها ومسؤولية أفرادها عن ديونها قبل الإمارات الأخرى وقبل أهلها ولا يعني اتباعه قيام حالة حرب بين الإمارتين.
وقد نص عليه وعلى إجراءاته بأمر عالٍ في فرنسا في سنة 1681 كما كرسته بعض المعاهدات في العصور الوسطى وآخرها معاهدة يوترخت في سنة 1713.
ومنعًا لإساءة استعمال التفويض يفرض على من أذن له به أن يقدم ضمانًا يوازي نصف قيمة مطلوبة ولا يزيد عن خمسة عشر ألفًا من الجنيهات وطبعًا ما كان الإذن يعطي إلا للوفاء بديون كبيرة القيمة، وتكتب قيمة المطلوب في الإذن حتى لا يتعداها في مغانمه.
وعلى من أذن له أن يقدم كل ما يغنمه إلى محكمة للغنائم تعقد في ديوان البحرية.
وإذا جاءت الغنائم بأكثر من حقه ومصاريفه يودع الباقي في ديوان البحرية على ذمة صاحبه.
ومن يخالف الإذن في إجراءاته والذي يثبت أنه زاد في طلباته فوق حقه فجزائه أن يعتبر سارقًا لما زاد عن حقه ويجازي بأربعة أضعافه وهذا حكم القانون الروماني في تعويض السرقة.
ولقد قصرت معاهدات القرن الثامن عشر حق إصدار هذا الإذن على الحالات الكبرى، وقل إصداره فلم يصدر في فرنسا في القرن الثامن عشر إلا مرتين في سنة 1702 ضد أهالي دانزج، وفي سنة 1778 لمصلحة تاجرين في بوردو، ثم أبطل نهائيًا بمعاهدة باريس في 16 إبريل سنة 1856 عقب حرب القرم.
وأهمية هذا التاريخ أنه أساس نشوء محاكم الغنائم وقضاء الغنائم وكان على كل من صدر له إذن أن يأتي بمغانمه إلى محكمة الغنائم في ديوان البحرية لبحث ما إذا كان اتبع الإجراءات القانونية ولتبيع ما غنمه وتعطيه حقه وتأخذ منه إيصالًا تسلمه إلى صاحب الغنيمة كما تسلم إليه ما يتبقى من ثمنها.
وكان الذين يقومون في البحر بهذه المهمة يسمون Corsaires ومنه جاء اسم (القرصان) في اللغة العربية.
تاريخ محاكم الغنائم
بينا باختصار تاريخ نشوء فكرة مجلس الغنائم ولا شك أنها مرت بتقلبات طويلة عديدة لا محل لعرضها هنا.
ولكي نكون فكرة واضحة عن هذا التاريخ نذكر باختصار تاريخ نشوء محاكم الغنائم في إنجلترا في ديوان البحرية الأميرالية L'amir aute لأنها ثبتت من سنة 1357 ثم صارت محكمة منظمة محددة في سنة 1426م.