وطبعًا الإنسان، يعني: زمان طالب العلم كان لا يجلس كمجلسنا هذا ساعة، ثم يذهب إلى بيته، لا؛ كان يقعد المجلس مثلًا يقرأ على شيخه كتابًا، ربما طال هذا المجلس حتى استمر ثلاث ساعات، أو أربع ساعات، أو خمس ساعات.
ويُرْوَى أن"الحافظ بن حجر"قرأ كتاب"مُعجم الطبراني الصغير"على شيخه ما بين الظهر والعصر، يعني: قُرابة الثلاث ساعات وهو في قراءة مستمرة سريعة على شيخه حتى يفرغ من قراءة هذا الكتاب عليه، وَنَوَالِ السند والإِجَازة منه.
فمَنْ الذي يستطيع أن يوفِّر لنفسه هذا الوقت؟
ولو وُجِدَ الشيخ المُتَفَرِّغ لا يوجد التلميذ، ولو وُجِدَ التلميذ المتفرغ لا يوجد الشيخ المتفرغ؛ لأن الناس الآن قد عافستهم الحياة والمدنية، وفرضت عليهم من أمور السعي، وطلب الرزق والكدح ما يحول بينهم وبين التفرغ التام لطلب العلم، بل إنك تجد حتى أساتذة الجامعات الذين فُرِّغوا للتعليم، أو المُعيدين الذين فُرِّغوا للتعلم لا تجد منهم من تعلو همته، ويستطيع أن يجلس الساعات ذوات العدد في مجالس العلم، أو بين المُدَرَّجات.
الطالب الآن يجلس في المُدَرِّج في المحاضرة، إذا المُحاضِر أطال على"ساعة ونصف"يشتكي ويتذمر، ويوصف هذا المدرس بالتطويل!
لذلك: الآن لا يوجد من المناهج، أو من المدرسين، أو من التلاميذ من يستطيع أن يُنَفِّذ ويُطبِّق منهج السلف الشاق في طلب العلم.
إذن:
ستبقى قضية قراءة الكتاب هي الوسيلة الوحيدة الذاتية الشخصية التي منها يستطيع الإنسان تحصيل العلم، وتوفير الحصيلة الثقافية والعلمية المطلوبة، فإذا كانت هذه الوسيلة ولا تزال وستزال هي الوسيلة الكبيرة، أو الوحيدة في تحصيل أكبر قدر ممكن من المعلومات بالنسبة للإنسان فإننا لابد أن نترقى، وأن نتطور في قراءة الكتاب، وفي تناول هذه القضية؛ بحيث نمارسها بطريقة علمية؛ نقرأ بطريقة علمية ..