فهرس الكتاب
أقولُ: لم ينكرْ ابنُ الهمامِ تَقَدَمَ الصَّحيحينِ مطلقًا على ما في غيرها بل حيثُ وَجَدَ شُروط الصِّحِةِ التي اعتبرها الْبُخَارِيّ ومُسلِمٌ في رِوايةِ غيرِها كما يُنادِيِه قَولُهُ في"فتح القدير"في بحثِ الرَّكعتينِ قبل المغرب: قَولُ مَن قال أصحُّ الأحاديثِ ما في الصِّحيحين ثُمَّ ما انفردَ به الْبُخَارِيّ ثُمَّ ما انفردَ به مُسلِمٌ ثُمَّ ما اشتملَ على شرطِهما ثُمَّ ما اشتملَ على شَرطِ أحدِهما ، تَحكمٌ لا يجوزُ التَّقليد فيه ، إذ الأصحيةُ ليس إلا لاشتمالِ رواتِهما على الشّروطِ التي اعتبراها ، فإذا فُرِضَ وجودُ تلك الشُّروطُ في رِوايةِ حديثٍ في غير الكتابين بين أفلا يكونُ الحكمُ بأصحيةِ ما في الكتابين عينَ التَّحكم . انتهى .
إذا عرفتَ هذا سَهلَ عليك الأمرُ في دَفعِ المناقضةِ لإمكان أن يُقال حيث اعترفَ بتقدمِ ما في الصَّحيحين على ما في غيرهما لم يوجدْ هناك في رِوايةِ غيرِهما شُروطُهُا .
ثُمَّ قال السَّادسُ: أنَّ ابنَ الهمامِ لا يقولُ بترجيحِ أحاديثَ الصَّحيحينِ على أحاديثِ غيرِها بل يَنقُضُ ما اتفقَت (1) عليه الأمَّة من أنَّ أحاديثَ الصَّحيحينِ أصحُّ الأحاديثِ .
أقول: كلامُ ابنُ الهمامِ في هذا المقامِ غيرُ مقبولٌ عند محقِّقي الأعلام ، كما بَسطَهُ صاحبُ"دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب"لكن هنا ليس من التَّعصبِ والصَّلابةِ من شيء ، بل هو اختلاف أصولٍ اختار فيه ما اختار لدليلٍ لاحَ لَهُ وإن ظَهَرَ خَطاؤه عند غيرِهِ ، ولم يزلْ العلماءُ مُختلفينَ في الأصولِ ويحقِّقونَ ما بَنوهُ بالمعقولِ والمنقولِ ، ولا يكون أحدهما بسببه مُتعصبًا ولا متصلبًا .
قُلْتُ: في منهيات"النافع الكبير"بعد ذِكْرِ مناقبِ ابنِ تَيْميَّةَ ومدائِحِهِ ، قد تَفَرَقَ النَّاسُ في عصرِنا في شأنِ ابنِ تَيْميَّة فرقتين:
(1) في الأصل"اتفق".