وليعلم أن للشريعة إطلاقين، أولُهما: إطلاقٌ عام، يتعلق بجميع الأحكام، سواءٌ أكانت متعلقة بفروع الدين أم بأصوله، وبهذا جزم التهانوي في: [كشاف اصطلاحات الفنون] . والثاني: إطلاق خاص، يتعلق بالأحكام الفرعية العملية في الشرع، وهذا هو المشهور عند المتأخرين، وبه جزم الكفوي في: [الكليات] .
وأما الثانية:
من حيث كونه لقبًا على علم معين، وقد اختلفت عبارات أهل العلم في ذلك، وأوْلاها أن يُقال:"علمُ مقاصدِ الشريعة يُعنى بالغايات التي رعاها الشارعُ في التشريع"وإيضاحه من جانبين:
أما الأول: فبيان مفرداته؛
حيث إن كلمة"يُعنى"بمعنى: يهتم، وكلمة"بالغايات": واحدها غاية، وهي ما يُهدف إليه في أي شأن. وكلمة"الشارع"تطلق على الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم -، وهو اسمُ فاعل من شرع. وكلمة"في التشريع": أي في الشرع والمُشرع، والشرع المشرع مسائلُهُ نوعان: نوعٌ يتعلق بالتوحيد وما إليه، ونوعٌ يتعلق بغير التوحيد كالأخلاق والسلوك، وفروع الشريعة، وفروع الفقه. وهي نوعان من جهة أخرى؛ فنوع يتعلق بمصالح العباد في معاشهم، ونوع يتعلق بمصالح العباد في معادهم، وكذلك يقال في الغايات؛ فمنها غايات تتعلق بمصالح العباد في الدنيا؛ كحفظ المال، ومنها غايات تتعلق بمصالحهم في الآخرة؛ كحفظ الدين.
وأما الثاني: فبالتمثيل على ذلك؛
وذلك بتحريم ومنع كل متلفٍ للعقل أو مُفسِده، كتحريم كل مسكر من خمر وغيره، فغاية المنع في هذا المثال حفظ العقل، وهذا ظاهر؛ فحفظ العقل من مقاصد الشريعة وقواعد علم المقاصد.
الفصل الثاني
في تاريخ مقاصد الشريعة
كانت مقاصد الشريعة معروفة لدى الفقهاء، في عصر التشريع فما بعده، دون جمع لها في كتاب وإظهار لقواعدها، لكن لما انقلبت العلوم صناعة، وضعُفت المصنفات؛ أُظهر علم مقاصد الشريعة، ومر بمراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: