فهرس الكتاب
شهادة لي على صدقي ولا يكون ما ذكره النَّظَّام قد جاء من هذا الوجه أيضًا، وبطل ما توهَّمه.
ومدار الأمر أن يكون هذا أمرًا قد كان، وقد ذكرنا الدَّلاله على كونه بلا عذر لمن شكَّ فيه.
ومن الدَّلاله أيضًا أنَّ ذلك قد كان: أنَّ الصَّحابة بعد رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قد تذاكروا فما فيهم من شكَّ ولا ارتاب ولا توقَّف بل وقع إجماعٌ منهم على كونه ووقوعه، فلا معتبر بمن جاء بعدهم ممن خالفهم.
وقد ذكر انشقاق القمر علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجُبير بن مطعم، وابن عمر، وابن عباس، أنس بن مالك، وخطب الناس حذيفة بالمدائن وذكر فيه انشقاق القمر، وكانوا يقولون: خمس قد مضين: الرُّوم، والقمر، والدُّخان، والبَطْشه، والِّلزام، يتذاكرون هذا بينهم - رحمهم الله -.
وقد ذكرنا ما في العقل من حجَّة في ذلك، وهي تُلزِّم كل عاقلٍ بَلَغَتْهُ الدَّعوة سواء كان من المسلمين أو من غيرهم، وفي ذلك أتمّ كفايةٍ، ثمَّ ذكرنا تذاكر الصَّحابة بذلك وهي
(2) سورة القمر: 3
دلاله أُخرى، إذ لا يجوز أن يقول عاقلٌ بحضرة جماعةٍ وقد أقبل على من يحدِّثه: قد كنَّا في وقت كذا حتَّى حدث كذا وكذا - وهو يستشهد بالّذي حدث بحضرتهم ويدَّعي عليهم وما عندهم علمٌ، فيمسكون عن تكذيبهم والرَّد عليه، ثمَّ ذكرنا الإجماع السَّابق من الصَّحابة ليتأكَّد ذلك على كلِّ من كان من أهل الصَّلاة"."
فهذه الُّنقول عمن رووا حديث انشقاق القمر تبيِّن أنَّ الحديث قد يتواتر بهم، وهذه الرُّدود لبعض شيوخ الاعتزال تبيِّن أنَّ الأمر واردٌ ومقبولٌ عقلًا ونقلًا، وفي هذا ردٌّ على النَّظَّام ومن وافقه من شيوخ الاعتزال، ومع ذلك فإنَّا نجد في عصرنا هذا من أنكر هذه المعجزة، وأخذ يُورد عليها إشكالاتٍ فلكِيَّةً، وحديثيَّةً، وأُصوليَّةً، كما فعل محمد رشيد رضا، فضعَّف الحديث وردَّه متنًا، وأورد عليه الإشكالات وقال بعد ذلك: (1) "فلو وقع لتوفَّرت الدَّواعي على نقله بالتَّواتر لشدَّة غرابته عند جميع النَّاس في جميع البلاد، ومن جميع الأُمم ولو كان وقوعه آيةً ومعجزةً لإثبات نبوَّة النَّبيِّ - صلّى الله عليه وسلّم -، لكان جميع من شاهدها من أصحاب النَّبيِّ - صلّى الله عليه وسلّم - نقلها، وأكثر الاستدلال والاحتجاج بها، حتّى كان يكون من نقلها في رواية الصَّحيحين قدماء الصَّحابة الّذين كانوا لا يكادون يُفارقون النَّبيَّ - صلّى الله عليه وسلّم - ولا سيَّما في مثل هذه المواقف، كالخُلفاء وسائر المبشَّرين بالجنَّة".