فهرس الكتاب
ثمَّ استدل بانتظام حركة الكواكب وعدم مخالفتها لنظام الكون العام، وانشقاق القمر ما هو إلاّ مخالفةٌ لذلك النِّظام!!!.
وقال المَراغِيُّ أيضًا (2) :"إنَّ انشقاق القمر من الأحداث الكونيَّة الهامَّة التي لوحصلت لرآها من النَّاس من لا يُحصى كثرةً من العرب وغيرهم، ويبلغ حدًَّا لا يمكِّن أحدًا ان ينكره وصار من المحسوسات الّتي لا تدفع، ولصار من المعجزات التي لا يسع مسلمًا ولا غيره إنكارًا".
والنُّقول عن أصحاب هذه المدرسه فيما يخصُّ هذه المسأله كثيرة، ولسوف أُناقشهم في بعض الآراء في الباب الرَّابع فيما يخصُّ التَّعارض.
أمَّا ما أوردوه من إشكالاتٍ فإنِّي أُحيلهم على ما كتبه بعض رؤوس المعتزلة كالجُشَميِّ، والقاضي عبد الجبار وغيرهما.
(1) انظر: د. فهد الرومي - منهج المدرسه العقليّة الحديثة في التفسير: 584 - 585.
(2) تفسير المراغي: 27/ 77 طبعة مصطفى البابي الحلبي / القاهره، ط الثالثة 1394هـ - 1947 م.
ومن أمثلة توهُّم تعارض الحديث مع نواميس الكون أيضًا ما رواه البُخاريُّ (1) عن أبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم:"غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لاَ يَتْبَعُنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امرأةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلا أحدٌ بَنَى بُيُوتًَا وَلَمْ يَرْفَع سُقُوفَهَا، وَلا أحَدٌ اشْتَرى غَنَمًَا أو خَلِفاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا، فَغَزَا، فَدَنا مِنَ القَرْيَةِ صَلاةَ العَصْرِ أو قَرِيْبًَا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ للشَّمْسِ إنَّكِ مَأمُورَةٌ وَأنَا مَأمُورٌ، اللّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِ ".
فهذا الحديث يدلَّ على اختلال نظام الشَّمس التي تسير بانتظامٍ ليتعاقب الّليل والنَّهار، وهذا الحَبس من شأنه أن يُحدث اضطرابًا في سيرها ينعكس على الّليل والنَّهار، والفُصول ومدَّة العام وهكذا.
والجواب على هذا من أبسط الأجوبة، إذ إنَّ الأمر متعلِّقٌ بمعجزةٍ وكرامةٍ، ولا مانع من أن يكرم الله - تعالى - أحد أنبيائه، أو حتّى أحد أوليائه فيخرق له المعتاد، وما نواميس الكون ومسير الشَّمس والقمر إلا أمرٌ من المعتاد على الناس، فإذا أمرهما خالقهما بالتَّخلُّف، أو التَّأخُّر، أو حتَّى تغيير الوجهة تمامًا، فلا يسعهما إلاّ الامتثال لأوامر الله - سبحانه وتعالى - وليس هاهنا ما يُثير العجب أو الاستنكار عند من يملك مُسحةً من الإيمان، أمَّا من كان خلاف ذلك فلا نُخاطبه