فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 144

وهذا ما فَهمه عددٌ من العلماء عندما ذكروا هذا الحديث في أبواب الحجِّ والمناسك، مِمَّا يُعدُّ قولًا لهم في عدم جواز سفر المرأة للحجِّ دون مَحرمٍ.

وقال التِّرْمِذِيٌّ في"الجامع" (1) :"والعمل على هذا عند أهل العلم، يكرهون للمرأة أن تسافر إلاّ مع ذي مَحرم."

واختلف أهل العلم في المرأة إذا كانت مُوسِرةً ولم يكن لها مَحرمٌ هل، تحجَّ؟

فقال بعض أهل العلم: لا يجب عليها الحجَّ، لأنَّ المَحرم من السَّبيل لقول اللّه - عزَّ وجَلَّ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيْلًا} فقالوا: إذا لم يكن لها مَحرمٌ فلا تستطيع إليه سبيلًا، وهو قول سفيان الثَّوريِّ وأهل الكوفة.

وقال بعض أهل العلم: إذا كان الطَّريق آمنًا، فإنَّها تخرج مع النَّاس في الحجِّ وهو قول مالكٍ والشَّافِعيِّ"."

فواضِحٌ أنَّ اختلاف العلماء في هذه المسألة نابعٌ من إدْراكِهم للتَّعارض بين مفهومي الآية والحديث، فتَفَرَّعت بناءً على ذلك مذاهبهم وآراؤهم.

وقد أشار المَازِريُّ لهذا التَّعارض وإلى مذاهب العلماء فقال (2) :"أبو حنيفة يشترط في وجوب الحجِّ على المرأة وجود ذي مَحرمٍ، والشَّافِعيُّ يشترط ذلك أو امرأةً واحدةً تحجَّ معها، ومالكٌ لا يشترط من ذلك شيئًا."

وسبب الخِلاف معارضةُ عُموم الآيةِ بهذا الخبر، فعموم الآية قوله تعالى: من استطاع اليه سبيلا* يقتضي الوجوب وإنْ لم يكن ذو مَحرمٍ، والحديث يُخصِّصُ ذلك، فمَنْ خصَّصَ الآية به اشترط المَحرم، ومَنْ لم يُخصِّصْها لم يشترط، وقد يَحْمل مالك الحديث على سفر التَّطَوُّع.

ويُؤيِّد مذهبه أيضًا أن يقول: اتُّفِق على أنَّ عليها أن تهاجر من دار الكفر وإنْ لم يكن معها ذو مَحرمٍ لمَّا كان سفرًا واجبًا، وكذلك الحجُّ. وقد ينفصل عن هذا بأن يقال: إقامتها في دار الكفر لا تَحِلُّ ويُخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التَّأخير عن الحجِّ".

وأرى أنَّ مَن جمع بين المُتعارضين بحَمْلهما على العُموم والخُصوص فيكون الحديث مُخصِّصًا للآية أقرب للصَّواب من غيره، ولهذا فقد خالف الإمام النَّوَويُّ مذهبه ورجَّح رأي

(1) 3/ 472 - 473 (2) المعلم: 1/ 369.

(6) شرح صحيح مسلم:9/ 104.

الجمهور الَّذي لا يرى جواز سفر المرأة للحجِّ إلاّ مع زوجٍ أو مَحرمٍ وقال (6) :"وهذا هو الصَّحيح"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت