ببساطةٍ أن أُظهر توهُّم التَّعارض بين الكتاب (القرآن) والحديث لا من حيث نصُّ كُلٍّ منهما على نقيض الآخر، بل من حيث ما يُستفاد من الآية وتَناقُضُه مع ما يُفهم من الحديث، مُستعينًا بالتَّعريف الأيسر للمفهوم وهو:"حُكم غير المنطوق في النَّص" (1) ، ولهذا فالمُراد من المفهوم هنا ما مايُقرأ بين السُّطور.
ومثال ذلك قوله تعالى: {وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْه سَبِيْلا} (2) فيُفهم من هذه الآية أنَّ الرِّجال والنِّساء جميعًا داخلون في الخِطَاب، لأنَّ لفظ النَّاس يتناولهما جميعًا، ثمَّ لاستوائهما في التَّكليف.
وهذا النَّصُّ عارضه نصٌّ حدِيثِيٌّ قَيَّده، فعن عبداللّه بن عمر أنَّ النَّبيَّ- صلّى اللّه عليه وسلّم - قال: (3) "لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ تُسَافِرَ مَسِيْرَةِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، إلاّ وَمَعَها ذُومَحْرَمٍ". فهذا الحديث يدلُّ على عدم جواز سفر المرأة وحدها دون محرمٍ.
ووجه التَّعارض بين الحديث والآية جاء ممَّا يلي:
* إنَّ الحجَّ مكتوبٌ على المرأة كما هو على الرَّجل، والحجُّ غالبًا ما يَقْتضِي السَّفر، ممَّا يُوجِبُ على المرأة أن تُسافر لِتحُجَّ.
* ورد في النَّصِّ الحَدِيثيِّ عدم جواز سفر المرأة وحدها دون مَحرمٍ، وعلى هذا فلا يجوز سفرها للحجِّ وحدها كما لا يجوز لغيره، ولهذا تعارض مفهوم الآية الَّذي يُوجب عليها الحجَّ ومن ثَمَّ السَّفر له، ومفهوم الحديث الَّذي منعها من السَّفر بإطلاقٍ ومعه السَّفر إلى الحجِّ.
(1) انظر: الدُّريني - المناهج الأُصولية: 395 الشركة العربية المتحدة - بيروت الطبعة الثانية، 1405هـ/1985م.
(2) سورة ال عمران 97.
(3) أخرجه مُسلمٌ، الحج /باب سفر المرأة مع المحرم:2/ 975 رقم (1338 مكرر) ، وأخرجه البُخاريُّ، أبواب التقصير /4 في كم يقصر الصلاة:2/ 35 باختصارٍ، وأحمد في"المسند"2/ 13،19 وغير ذلك.
ورواه أبو سعيد الخُدْري كذلك كما عند البُخاريِّ، فضل الصلاة في مسجد مكة/ مسجد بيت المقدس:2/ 58، ومُسلم، الحج / سفر المرأة مع محرمٍ إلى حجٍ وغيره:2/ 976 رقم (1339) ومالك، الاستئذان / ما جاء في الوحدة في السفر: 2/ 818، والتِّرمِذي، الرضاع / 15 ما جاء في كراهية أن تسافر المرأة وحدها:3/ 472 رقم (1169) وغير ذلك.