كما أسلفت سابقًا أنَّ التَّعارض مستحيلٌ بين النُّصوص، وإنِّما هو توهُّم أو ظنُّ التَّعارض والتَّدافع ظاهريًَّا، والمقصود بتعارض النَّصين، هو التَّعارض الّذي يظهر بين الآية والحديث، أو بين الحديث والحديث، مع اعتبار التَّقسيمات الّتي يتفرَّع إليها الحديث من قولٍ وفعلٍ وتقريرٍ، وبخاصَّةٍ فيما يتعلَّق بتعارض الحديث كما سيأتي، وهذا بيان المقصود والشُّروع في المطلوب.
المبحث الأوّل
تعارض الحديث مع القرآن الكريم
إنَّ القرآن الكريم، والحديث الشَّريف كلاهما وحيٌ، وخرجا من مشكاةٍ واحدةٍ، وإن اختلفا في شيءٍ فإنَّما يختلفان في طريقة الوُرود (المتواتر والآحاد) وطريقة جواز الأداء (بالَّلفظ الحرفي / المعنى) ولهذا لا يمكن للوحيِّ أن يتعارض أو يتناقض.
وإن تُوهِم ذلك، أو وُجد بما لا يدع مجالًا للشَّكِّ، ولم نستطع التَّوفيق بأيِّ وجهٍ من الوجوه بين طرفي الوحي، فلا مناصَ حينئذٍ من تقديم ظاهر الكتاب على دلالة السُّنَّة. ولكنَّ واقع أغلب ما يُدَّعى عليه التَّعارض والتَّناقض هنا، يمكن فيه الجمع والتَّوفيق.
ثمَّ إنَّ التَّعارض المتوهَّم قد يكون بين صريح الكتاب وصريح السُّنَّة، أو بين مفهوم الكتاب وصريح السُّنَّة، وغير ذلك، ولكُلِّ حالةٍ طريقة تناولٍ ومنهج دراسةٍ، أبيِّنُها في هذه المطالب:
المطلب الأوّل: تعارض صريح الكتاب مع السُّنَّة.
وهو ما تكون دلالة القرآن فيه صريحةً في مسألةٍ ما، وتُعارِضُها دلالة الحديث الصَّريحة كذلك.
مثال ذلك: ما أورده ابن قتيبة (1) عن الطَّاعنين أنَّهم قالوا: (رويتم عن النَّبيِّ - صلّى الله عليه وسلّم - أنَّه قال:"صِلَةُ الرَّحْمِ تَزِيْدُ فِي العُمْرِ"(2) ، والله تبارك وتعالى يقول
1)تأويل مختلف الحديث: 136.
(2) أخرجه بهذا الَّلفظ: القُضَاعيُّ في"مسند الشهاب": 1/ 93 طبعة مؤسسة الرسالة - بيروت، ط الثانية 1407 هـ / 1986 م تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، وإسناده ضعيفٌ، ولكن للحديث شواهد يصحُّ بها
: {فِإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُوُن} (1) فكيف تزيد صِلة الرَّحم في أجلٍ لا يُتأخَّر عنه ولا يُتَقدَّم)؟
فالنَّاظر يجد ما اعترض به أمرًا واردًا، والتَّدافع يكاد يكون أمرًا واقعًا، ولكن بنظرةٍ فاحصةٍ،