فهرس الكتاب
ولا يخفى عليك بعد هذا وجه الحاجة إلى فتح باب القياس في نظم الكلام، وما يعرض من الكلم نحو التقديم والتأخير، والاتصال والانفصال، والإعراب والبناء، والحذف والذِكر؛ فإن تباين الأغراض، وتشعب العلوم، وتفاوت عقول المخاطبين، واختلاف أذواقهم _ مما يستدعي إطلاق العنان للمتكلمين، يذهبون في البيان كل مذهب قيم، ويتعلقون منه بكل أسلوب مقبول، حتى يظهر فيهم الخطيب المصقع، والشاعر المفلق، والكاتب المبدع، والمناظر المفحم، والمحاضر الغواص على الدرر، والعلامة المجلي للمعاني الغامضة في أجمل الصور+ (1) .
تاسعًا: المُحْدَثون والقياس: واجهت العربية مشكلات كثيرة بسبب ما جدَّ في العصر الحديث من علوم ومصطلحات، ومذاهب ثقافية وفكرية، ومظاهر حضارية لا حصر لها؛ فعاد المُحْدَثون من علماء العربية إلى السؤال القديم: هل يجوز أن نقيس على كلام العرب؟
فمنهم من منع ذلك، ولم يأخذ به، ومنهم _ وهم الأكثرية _ من رأى القياس بابًا جائزًا، وطريقًا حسنًا من طرق تنمية اللغة، بل إن القياس يفوق التعريب، والارتجال، والترجمة.
وبعد نقاش طويل توصل المحدثون إلى قبول القياس بالشروط التي ارتأوها والتي منها:
1_ وجود الضرورة أو الحاجة الملحة: فاتفقوا على أن القياس للضرورة أو الحاجة الملحة، ولمواجهة الجديد؛ فتلك دوافع مقنعة تدعو إلى القياس؛ فليست المسألة ترفًا، ولا لعبًا.
2_ أن يكون القياس على المطرد لا النادر.
3_ أن يقوم به المجامع اللغوية، وأن يكون تحت نظر العلماء.
4_ ألا يكون القياس في الأساليب؛ لأننا لسنا بحاجة إليها، وإنما يكون القياس في الصيغ كالمصادر، وأسماء الآلة وغيره في حدود الكلمات المفردة.
(1) _ القياس ص32_34.