الصفحة 484 من 560

وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل، وسيبويه، وأبي عمرو بن العلاء، ونحوهم+ (1) .

وقد كرر × ذلك في مواضع من كتبه، خصوصًا في كتابه الإيمان، وفي الأسماء والصفات من مجموع الفتاوى.

4_ أن إطلاق المجاز في القرآن يفضي ويؤدي إلى وصف الله بالمُتَجَوِّز: وذلك مما لم يرد الإذن به؛ ذلك أن أسماء الله وصفاته توقيفية كما هو معلوم.

ثاني عشر: مناقشة مثبتي المجاز لمنكريه:

1_ أن القول بأن كل مجاز كذب يجوز نفيه ليس صحيحًا: وإنما يكون المجاز كذبًا لو أثبت المعنى على التحقيق لا على المجاز، أي أنه إذا أطلق القمر _ مثلًا _ على إنسان بهيِّ الطلعة يكون كذبًا لو ادُّعي أنه القمر الذي في السماء حقًا.

ولا ريب أن هذا ليس بمرادٍ في المجاز، وإنما المراد تشبيهه به في البهاء والحسن، فأين الكذب؟ !

وكذلك قولنا للبليد: (حمار) ليس المقصود بأنه حمار في الشكل والخلقة، وإلا لصح أن ينفى ويقال: ليس هو بحمار بل هو إنسان؛ فالنفي هنا مُنصبٌّ على إرادة الحقيقة لا على المعنى المجازي، وهذا لا يسمى كذبًا؛ لأن المتكلم جاء بقرينة تبين مراده، وترفع اللبس.

ثم أن البلاغيين حرصوا في مصنفاتهم على أن يبينوا الفرق بين المجاز والكذب؛ فهم متفقون على أن المجاز ليس كذبًا؛ لأن التجوُّز يضع بين يدي المجاز قرينة تَصْرِفُ عن إرادة المعنى الأصلي للفظ.

أما الكذب فإن الكاذب يحرص فيه على إخفاء حاله؛ ترويجًا للكذب الذي يريده.

ولقد عني البلاغيون بالقرائن عناية بالغة، واستنبطوها من كلام العرب، وفصلوا فيها القول تفصيلًا؛ فإذا خلا المجاز من القرائن كان الكلام فاسدًا؛ لعدم دلالته.

(1) _ مجموع الفتاوى 7/87_88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت