فهرس الكتاب
2_ أن القول: بأن المجاز ذريعة إلى نفي الصفات الإلهية، وتأويلها ليس مسوغًا لنفي المجاز؛ ذلك أنه لا حجة لهؤلاء النفاة المعطلة فيما ذهبوا إليه.
وإنما هم أصحاب هوى وضلال، ومن كانت هذه حاله ركب كل صعب وذلول في سبيل هواه، فاستدلالهم بالمجاز على نفي الصفات استدلال فاسد، فنحن نجعله حجة عليهم لا لهم؛ فيقال لهؤلاء النفاة المعطلة: إن الأصل في الكلام أن يحمل على حقيقته وظاهره المتبادر ما لم تقم قرينة توجب صرفه عن هذه الحقيقةِ، وذلك الظاهرِ لنا.
ثم إن الناس متعبدون باعتقاد الظاهر من أدلة الكتاب والسنة ما لم يمنع مانع.
وبناء على ذلك يقال لهؤلاء النفاة: إن النصوص الصحيحة القطعية أثبتت صفات الكمال لله _ تعالى _ كصفة الكلام، واليد، والاستواء، والنزول، والعلو، والساق، والقَدم، والضحك، والأصابع.
والنصوص الواردة في ذلك لا تظفر فيها بأي قرينة تنقلها عن معانيها الحقيقية التي دلت عليها؛ فهي صفات حقيقية ثابتة للرب _ سبحانه _ على ما يليق به.
وادعاء هؤلاء المعطلة أن إثبات الصفات يلزم منه التمثيل، وأن القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي هي تنزيه الله _ سبحانه _ عن مماثلة المخلوقين ادعاء باطل متهافت، ظاهر السقوط؛ إذ لا يلزم من إثبات الصفات لله تمثيله وتشبيهه بخلقه؛ فللخالق _ سبحانه _ صفاتٌ تليق به، وللمخلوق صفات تليق به.
ثم إن مجيء نصوص الصفات متكاثرة يقطع بأن المراد منها معانيها الحقيقية، ويدرأ عن تلك النصوص أن تكون مجازية أنها لا تقبل دعوى المجاز من جهة اللغة نفسها، وتراكيب الكلم فيها؛ فهي تأبى أن تبارح المعنى الحقيقي.
ونمثل بهذا المثال وهو قوله _ سبحانه _: [وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا] النساء: 164.
فلا يجوز أبدًا أن يقال: إن الكلام في هذه الآية مجازي، لأن الفعل (كلَّم) أُكِّد بالمصدر (التكليم) الدال على النوع.