فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 299

الّذين هُم من أشهر المُتأخّرين - بالنّظر والتّحقيق للفلسفة والكلام قد ضلُّوا في هذا النّقل - وهذا البحثُ في مثل هذا الأصل ضلالٌ لا يقعُ فيه أضعفُ العوامّ - وذلك لما تلقّوهُ عن بعض أهل المنطق من القواعد الفاسدة الّتي هي عن الهُدى والرُّشد حائدةٌ ؛ حيثُ ظنُّوا أنّ الكُلّيّات المُطلقة ثابتةٌ في الخارج جُزءًا من المُعيّنات ؛ وأنّ ذلك يقتضي تركيب المُعيّن من ذلك الكُلّيّ المُشترك وممّا يختصُّ به ؛ فلزمهُم على هذا القول أن يكُون الرّبُّ تعالى الواجبُ الوُجُود مُركّبًا من الوُجُود المُشترك وممّا يختصُّ به من الوُجُوب أو الوُجُود أو الماهيّة. مع أنّهُ من المشهُور عند أهل المنطق أنّ الكُلّيّات إنّما تكُونُ كُلّيّاتٍ في الأذهان لا في الأعيان. ومن هداهُ اللّهُ تعالى يعلمُ أنّ الموجُودات لا تشتركُ في شيءٍ موجُودٍ فيها أصلًا ؛ بل كُلُّ موجُودٍ مُتميّزٌ بنفسه وبما لهُ من الصّفات والأفعال وأنّا إذا قُلنا: إنّ هذا الإنسان حيٌّ مُتكلّمٌ أو حيوانٌ ناطقٌ ونحو ذلك ؛ لم يكُن ما لهُ من الحيوانيّة أو الناطقية أو النُّطق والحياة مُشتركًا بينهُ وبين غيره بل لهُ ما يخُصُّهُ ولغيره ما يخُصُّهُ ولكن تشابها وتماثلا بحسب تشابُه حيوانيتهما ونُطقيّتهما وغير ذلك من صفاتهما. ومن قال: إنّ الإنسان مُركّبٌ ممّا به الاشتراكُ: وهُو الحيوانيّةُ وما به من الامتياز: وهُو النُّطقُ ؛ فإن أراد بذلك أنّ هذا تركيبٌ ذهنيٌّ - فإنّا إذا تصوّرنا في أذهاننا حيوانًا ناطقًا ؛ كان الحيوانُ جُزء هذا المعنى الذّهنيّ والنُّطقُ جُزأهُ الآخر وكان الحيوانُ جُزءًا لهُ أشباهٌ أكثرُ من أشباه النّاطق. وإذا تصوّرنا مُسمّى حيوانٍ ومُسمّى ناطقٍ ؛ كان مُسمّى الحيوان يعُمُّ الإنسان وغيرهُ وكان مُسمّى النّاطق يخُصُّهُ - فدعوى التّركيب في هذه المعاني الذّهنيّة صحيحٌ لكن ليس هذا ضابطًا. بل هُو بحسب ما يتصوّرُهُ الإنسانُ سواءٌ كان تصوُّرُهُ حقًّا أو باطلًا. ومتى أُريد بجُزء الماهيّة الدّاخل فيها ما يدخُلُ في هذا التّصوُّر وبجُزئها الخارج عنها اللّازم لوُجُودها ما يدُلُّ عليه هذا اللّفظُ بالتّضمُّن والالتزام وأراد بتمام الماهيّة ما يدُلُّ عليه هذا بالمُطابقة ؛ فهذا صحيحٌ لكنّ هذا لا يقتضي أن تكُون الحقائقُ الموجُودةُ في الخارج مُركّبةً من الصّفات الخاصّة والعامّة ولا أن يكُون بعضُ صفاتها اللّازمة داخلةً في الحقيقة ذاتيًّا لها وبعضُها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت