فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 299

قال أبو سليمان: وقد روينا عن عبد الله بن المبارك أن رجلا قال له، كيف ينزل؟ فقال له بالفارسية: ( كدخدائ كارخويش كن ) ينزل كما يشاء. أخبرنا أبو عثمان، ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم العدل، ثنا محبوب بن عبد الرحمن القاضي، ثنا جدي أبو بكر محمد بن أحمد بن محبوب، ثنا أحمد بن حيويه، حدثنا أبو عبد الرحمن العتكي، ثنا محمد بن سلام، قال: سألت عبد الله بن المبارك. فذكر حكاية قال فيها: فقال الرجل يا أبا عبد الرحمن، كيف ينزل؟ فقال عبد الله بن المبارك: « كدخاي كارخويش كن » ينزل كيف يشاء قال أبو سليمان رحمه الله: « وإنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول الذي هو نزلة من أعلى إلى أسفل، وانتقال من فوق إلى تحت، وهذا صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا يستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه، وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده، وعطفه عليهم واستجابته دعائهم ومغفرته لهم، يفعل ما يشاء، لا يتوجه على صفاته كيفية، ولا على أفعاله كمية، سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير » . وقال أبو سليمان رحمه الله في معالم السنن: وهذا من العلم الذي أمرنا أن نؤمن بظاهره، وأن لا نكشف عن باطنه، وهو من جملة المتشابه الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال: ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) الآية فالمحكم منه يقع به العلم الحقيقي والعمل، والمتشابه يقع به الإيمان والعلم الظاهر، ويوكل باطنه إلى الله عز وجل، وهو معنى قوله: ( وما يعلم تأويله إلا الله ) وإنما حظ الراسخين أن يقولوا آمنا به كل من عند ربنا. وكذلك ما جاء من هذا الباب في القرآن كقوله عز وجل: ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ) وقوله: ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) والقول في جميع ذلك عند علماء السلف هو ما قلناه، وروي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال، فحاد عن هذه الطريقة حين روى حديث النزول، ثم أقبل على نفسه، فقال: إن قال قائل: كيف ينزل ربنا إلى السماء؟ قيل له: ينزل كيف يشاء. فإن قال: هل يتحرك إذا نزل؟ فقال: إن شاء يتحرك وإن شاء لم يتحرك. وهذا خطأ فاحش عظيم، والله تعالى لا يوصف بالحركة، لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت