فهرس الكتاب
قال أبو بكر الآجري: وبلغني عن المهتدي أنه قال: ما قطع أبي، يعني الواثق إلا شيخ جيء به من المصيصة، فمكث في السجن مدة، ثم إن أبي ذكره يوما فقال: علي بالشيخ، فأتي به مقيدا. فلما أوقف بين يديه سلم فلم يرد عليه السلام، فقال له الشيخ: يا أمير المؤمنين: ما استعملت معي أدب الله - عز وجل - ولا أدب رسوله؛ قال الله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } (1) وأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- برد السلام؛ فقال له: وعليكم السلام، ثم قال لابن أبي دؤاد: سله، فقال: يا أمير المؤمنين، إني محبوس مقيد، أصلي في الحبس بتيمم منعت الماء فمر بقيودي تحل ومر لي بماء أتطهر وأصلي ثم سلني، قال: فأمر بحل قيده وأمر له بماء، فتوضأ وصلى ثم قال: يا ابن أبي دؤاد: سله، فقال الشيخ: المسألة لي فمره أن يجيبني فقال: سل، فأقبل الشيخ على ابن أبي دؤاد، فقال: أخبرني عن هذا الذي تدعو الناس إليه؛ شيء دعا إليه رسول الله؟ قال: لا، قال: فشيء دعا إليه أبو بكر الصديق بعده؟ قال: لا. قال: فشيء دعا إليه عمر بن الخطاب بعدهما؟ قال: لا، قال: فشيء دعا إليه عثمان بن عفان بعدهم؟ قال: لا، قال: فشيء دعا إليه علي بن أبي طالب بعدهم؟ قال: لا، قال الشيخ: فشيء لم يدع إليه رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، تدعو أنت الناس إليه؟! ليس يخلو أن تقول: علموه أو جهلوه، فإن قلت: علموه وسكتوا عنه وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت: جهلوه وعلمته أنا، فيا لكع ابن لكع يجهل النبي عليه السلام والخلفاء الراشدون شيئا تعلمه أنت وأصحابك؟! فرأيت أبي وثب قائما، ودخل الخلوة -يعني مكان- فدخل جدي ورجع ثوبه في فيه فضحك، ثم جعل يقول: صدق، ليس يخلو من أن يقول: علموه أو جهلوه، فإن قلنا: علموه وسكتوا عنه وسعنا من السكوت ما وسع القوم، وإن قلنا: جهلوه وعلمته أنت، فيا لكع ابن لكع؛ يجهل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه شيئا وتعلمه أنت وأصحابك ثم قال: يا محمد، قلت لبيك، فقال: لست أعنيك، إنما أعني ابن أبي دؤاد فوثب إليه فقال: أعط هذا الشيخ نفقة وأخرجه عن بلدنا.
ــــــــــــ
(1) - سورة النساء آية: 86.