فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 80

(( يمكن اختصار التاريخ البشري بأنه مجال الصراع بين هذين المبدأين المتناقضين: مبدأ الحرية ومبدأ المساواة ) )..

ومادام أن البشر عاجزون عن رسم الحدود الفاصلة بين المبدأين، بل بين حُرِّيَتَيْ كلِّ طرفٍ في العلاقات الإنسانية المتشعبة (الحاكم والمحكوم، الزوج والزوجة، الدولة والدولة الأخرى، الأقلية والأكثرية .... إلخ) ومادام أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يزد على أن أعاد إثارة المشكلة من جديد، ومنذ وضْعه حتى الآن لم يزل الاختلاف في تفسيره، ولم تزل كل المذاهب والأنظمة تستخدمه سلاحًا في وجه معارضيها، ومادام أن أشد الأنظمة استبدادًا وعنفًا لا يتورع عن ادعاء وصف الديمقراطية: فإن عبارة من نوع عبارة"مارتن لوثر كنغ"عن قوس العدالة هي أشبه بتفسير الماء بأنه ماء.

كما أن العبارة التي أوردها الخطاب عن أوغسطين جاءت بأبلغ من ذلك في الإنجيل عن من هو أفضل وأقدم من أوغسطين وهو المسيح عليه السلام، ولكنها مجرد توجيه أخلاقي مثالي.

ومن هنا فلا مناص من رجوع العالم الإنساني كله إلى مرجعية كونية مطلقة مفصّلة، أو وفقًا لنظرية العميد"دوجي"كبير القانونيين الفرنسيين (( بما أن التشريع هو فرض إرادة المشرع على الآخرين فإنه لا يحق للبشر أن يشرِّعوا للبشر و لا يملك ذلك إلا إرادة مطلقة فوق سلطة كل البشر ) ).

هذه المرجعية تتمثل في الوحي الرباني المحفوظ من التحريف، وهو ما لا يوجد إلا في الإسلام = والإسلام وحده = لأنه دين الأنبياء جميعًا ورسالة الله إلى البشر جميعًا، وفي ظل شريعته تتحقق الحرية والعدالة والمساواة بكل ضوابطها وحدودها، وفي أرقى صورها وتطبيقاتها، دون أن يعني ذلك التطابق بين واقع المسلمين وحقيقة الإسلام، فنحن نؤكد التباين بينهما لا على الأساس الذي انتهجه الخطاب في التفريق بين"المسلمين"و"الإسلامويين"! بل على أساس أن النفس البشرية مشدودة إلى الأرض ما لم يرفعها الإيمان إلى السماء.

نحن هنا لا نتحدث عن قومية كما فعل الستون بل عن دينٍ عالمي هو أكثر الأديان انتشارًا في رقعة المعمورة. لقد قالوا إن في إمكان كل أحد أن يصبح أمريكيا لكن الواقع لا يخفى على أحد. أما الحق فهو أن بإمكان كل أحد أن يصبح مسلمًا، وهذا هو الرباط الحقيقي الذي يمكن أن يجتمع عليه كل بني البشر.

إن قيم الإسلام هي القدر المشترك بين إيجابيات كل الحضارات، ليس ذلك بسبب وجود التأثير الإسلامي على معظم الحضارات العالمية المعروفة فحسب، بل لأن الدائرة الإسلامية مهما اتسعت لا تدعي أبدًا احتكار الحق أو العدل لمن هم داخلها كما يتوهم كثيرون في الغرب - ربما بناءً على أخطاء بعض المسلمين في فهم الإسلام وتقديمه - بل هي تعلم عن يقين أن من قواعد الشريعة أنه حيث كان العدل فثم شرع الله، وأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت