كما اعتمد عليه"مالتس"و"بنتام"في التبرير لتحريم الصدقة والإحسان للفقراء، مصادمين بذلك قيمة من أعظم القيم الإنسانية.
وأفظع من ذلك ما قرره"داروين"من أن القانون الطبيعي يقوم على قاعدة"أن الحياة صراع والبقاء للأقوى"مما شكل الأساس الفلسفي للحروب المدمِّرة والأنظمة الشمولية في أوروبا الحديثة.
وبالنسبة للمؤسسين الأوائل لأمريكا لم يكن استنادهم إليه إلا لاعتقادهم أنه أحدث النظريات، كما هو الحال لو اعتقد بعض المعاصرين فكرة"نهاية التاريخ"مثلًا!
ومعلوم لدى الباحثين أن توماس جيفرسن ومعاونيه اقتبسوا بيان إعلان الاستقلال من أفكار الفلاسفة الإنجليز _ لاسيما"جون لوك"، ومن أفكار المؤسسين النظريين للثورة الفرنسية أمثال"روسو"و"مونتيسكيو"، وفي ذلك الزمن كانت فكرة القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية هي الرائجة.
وأصل المشكلة لدى هؤلاء - وغيرهم من أصحاب النظريات الاجتماعية - هو افتقار الفكر الغربي الثائر على"الثيوقراطية الكنسيّة"و الحكم المطلق إلى عقيدة يستمد منها وشريعة يحتكم إليها، ذلك الافتقار جعله يخترع الأسس الفلسفية اختراعًا [1] .
وهنا تجدر المقارنة بالعالم الإسلامي الذي يمتلك - فوق الخبرة التطبيقية - ثروة هائلة من نصوص الوحي والمدونات القانونية الشارحة تحدد بدقة الحقائق الأخلاقية الكونية وتضع للعلاقات بين البشر أحكامًا تفصيلية، قبل صدور - ما سمي في إنجلترا - العهد العظيم بستة قرون. وقبل ألف سنة من النظرية البدائية لجروسيوس عن الحرب والسلام.
إن أوروبا لم تعمل جديًًا على اقتفاء أثر الشريعة الإسلامية - بل الاقتباس منها - إلا منذ صدور تشريعات نابليون سنة 1804 أي بعد جيل من إعلان الاستقلال الأمريكي (أعلن 1776) .
ولنأخذ لإيضاح ذلك مثالًا من القيم التي ذكرتم، والتي يمكن تلخيصها بكلمتين"الحرية والمساواة"، إنهما شعاران قديمان ليس في كلامكم عنهما جديد، بل ليسا أصلًا من ابتكار المؤسسين، والأهم هو أن هاتين القيمتين لا يمكن أن تستند إلى المبدأ الغامض"القانون الطبيعي"في المنطق المجرد، فضلًا عن الواقع البشري، كما أنهما - بشيء من النظرة العميقة - قيمتان متعارضتان وهذا هو مكمن الخطر، فإن الأحداث الدامية التي أعقبت الثورة الفرنسية وهي الثورة التي رفعت - بوضوح - هذين الشعارين في الغرب، تؤكد ذلك جليًا. ومن هنا قال المؤرخ العالمي"تويبني":
(1) إن الاضطهاد الذي عاناه"جروسيوس"ومن بعده"سبينوزا"هو الذي جعلهما يبتدعان هذا القانون ويجعلانه بديلا للقانون الإلهي الذي تدعيه السلطة الكنسية. ثم جاء"جون لوك"فسار على عادة الإنجليز في التوسط الفكري فقرر القانون الطبيعي من جهة وأنكر الحكم المطلق من جهة أخرى، وكان الأمريكيون من جملة الرعايا البريطانيين الذين احتجوا بأفكاره للتخفيف من تسلط ا لملوك.