يقدم للعالم الإسلامي اعتذارًا عن تلك الحروب، ونعتقد أنه كان ينبغي لهؤلاء المثقفين أن يسبقوا الزمن ويقدموا اعتذرًا مماثلًا عما فعلته الادارة الأمريكية - وتفعله - بالمسلمين ومن ثم يفتحون الباب للحوار والتفاهم بين الدينين والحضارتين.
لكنهم مع الأسف سلكوا الطريق الآخر ! وربما احتاج الأمر إلى قرون لكي نسمع الاعتذار هذا إن كان ثمة من القيم ما يدعو لتقديمه أصلًا!!
لقد اشتمل الخطاب على تعميمات تاريخية وفلسفية جديرة بالتمحيص والتدقيق، ونحن هنا لسنا بصدد الدخول في جدل تاريخي أو خوض لاهوتي - ليس لضيق المقام فحسب - بل لعقيدتنا المطلقة بأن كل ما كان حقًا وعدلًا فهو مما يجب علينا الإيمان به، والتسليم بصحته من أي مصدر كان، وكل ما كان باطلًا وظلمًا فإن الواجب علينا إنكاره من أيٍّ كان كذلك.
غير أن المشكلة التي ندخل لها - توّا - هي إسباغ مفهوم الحق المطلق على حالة عابرة لأمة معينة في مرحلة تاريخية محددة وتسمية ذلك (الحقائق الأخلاقية الكونية) وهو ما تستطيع كل أمة أن تدعيه، فلا يكون الناتج إلا نقل الحروب من ميدان الأرض إلى عالم القيم، وهو عكس ما يظهر أنّه المقصود من الخطاب [كما جاء في خاتمته] .
اللهم إلا إذا صدقنا الصحفي الصهيوني توماس فريدمان الذي أعلن بوضوح أن الحرب الفكرية هي الأهم في نظر الأمريكان! وأن تغيير النظام الاجتماعي وأساليب الحكم ومناهج التعليم هي الجزء الأكبر من المعركة مع العالم الإسلامي، وحينئذ تكون دعوى"القيم الأخلاقية الكونية"وسيلة وليست غاية!!
مع أن من حق أي قارئ أن يرجح ذلك، فإننا سنغض النظر عنه ونتناول الموضوع من خلال حقائق التاريخ والمنطق مجردة.
إن الأساس المنطقي لهذه الدعوى الكبرى مفقود لسبب بسيط، هو أن المبدأ الذي استندت إليه تلك الحقائق الكونية المدعاة هو مبدأ"القانون الطبيعي".
والاستناد إلى مبدأ غامض كالقانون الطبيعي، يصعب التدليل على وجوده فضلا عن التلقي عنه، في أعقد مشكلة تواجه الجنس البشري هو أمر لا يصح التعويل عليه.
بل الواقع التاريخي يشهد أن أكثر النظريات إجحافًا في حق الإنسان استطاعت _ وتستطيع _ أن تعتمد على هذا المبدأ ذاته.
فقد اعتمد عليه"ريكاردو"في التبرير للرأسمالية الجشعة التي كانت الدافع لأكبر غزو استعماري في تاريخ الإنسانية.