شهور ثلاثة فقط كانت كافية لسقوط القيم الغازية - على لسان وزير العدل في الحكومة المؤقتة في كابل - حيث أعلن تحت ضغط المطالبة الشعبية: أنه لا مناص من تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية التي كانت تطبقها طالبان بما في ذلك حد الخمر!!
وقد كان حِسّ زارعي المخدرات وتجارها في شم رائحة القيم الأمريكية أصدق من حِسّ كثير من المتعصبين لهذه القيم، فأولئك بادروا بالعودة إلى أفغانستان عقب الاحتلال الأمريكي، مستبشرين بمستقبل جديد لعملهم اللاإنساني وبانفتاح السوق الأمريكية التي هي أكبر سوق لهذا الوباء.
لقد قال برناردشو - في معرض أسلوبه الساخر من ازدواجية القيم الغربية:
(اغْفِرُ لنوبل اختراع الديناميت ولا أغفرُ له الجائزة!!)
وهكذا يمكن القول بأن الشعب الأفغاني قد يغفر للأمريكان ضرب مستودعات الغذاء، واستهداف دور الأيتام، وتصرفاتهم باسم الحرب العادلة المزعومة مع الأسرى في قلعة جانجي وفي كوبا، ولكنه لن يغفر أبدًا الاستطالة على القيم التي يؤمن بها , وتفضيل قيم وضعية انتقائية غير ثابتة ولا عادلة عليها، ومحاولة جره إلى حضيض القيم الأمريكية في الحرب والسلم سواء.
وبالتالي فإن العالم الإسلامي قد يفهم على مضض غطرسة الإدراة الأمريكية وتخبطها وتعسفها- باعتبارها نزعة فرعونية في كل إمبراطوريات التاريخ - ولكنه لن يقبل إطلاقًا مزايدة المثقفين الأمريكيين على القيم الإسلامية، وتنصيب أنفسهم وعّاظًا له بهذا الشأن، لمجرد أن عددًا قليلًا جدًا من المسلمين عملوا - بل متهمون بعملٍ يعتب ر- جزءًا ضئيلًا جدًا مما تفعله المؤسسات الحاكمة في أمريكا، في كل قارات المعمورة، وعلى مدى قرن كامل تقريبًا.
مع فارق مهم للغاية وهو أنه لم يكن أحد من المسلمين معتدلًا أو متطرفًا يفكر في مهاجمة أمريكا قبل أن تنحاز إلى الكيان الصهيوني وتمده بكل أسباب الإرهاب والبطش. وقبل أن تهاجم أمريكا أكثر من بلد إسلامي وتنتهج تصنيف الدول الداعمة للإرهاب، و"محور الشر"على أساس أن يكون المسلمون هم رأس القائمة وهدفها!! وذلك ما جاء خطاب المثقفين ليكرسه تكريسًا فلسفيًا.
نحن لا نجزم أن ما كتب الستون نوع من"الإسقاط النفسي"فربما كان مخادعةً لوخز الضمير حين يرى القيم تحتضر - ليس في وحشية الحرب فحسب - بل في المحاكم العسكرية ومعاملة الأسرى والتضييق على الإعلام وحجب المعلومة الصحيحة عن الشعب - ومن ذلك أن يكون للقناة الإخبارية"cnn"نوعان من البث في وقت واحد أحدهما داخلي والآخر خارجي - مما يذكّر بالإعلام في أوربا الشرقية أيام الدكتاتوريات المكشوفة.
لكننا لا نستطيع أن نتجاهل أننا أمام حالة تشبه حالة الباباوات مع الأباطرة والملوك الأوربيين - في العصور الوسطى - الذين شنوا الحملات الصليبية المتتابعة على الشرق الإسلامي، ولقد استطاع البابا المعاصر أن