فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 80

عليها العدل بين البشر، ويستند إليها المدعي في دعواه، ومن ثمَّ أوجبت الشريعة سماع الدعوى كما أتاحت الجواب عنها.

وانفتح للإنسانية لأول مرة باب التكامل والتكافل لحفظ كرامة كل البشر بأن أتيح رفع الدعوى احتسابًا على أيٍّ كان ومن أي كان، لا على أساسٍ أدبي معنوي كما هو حال منظمات حقوق الإنسان العالمية، بل على أساس إلزامي تنفيذي لا يملك الإمام الأعظم للمسلمين كلهم أن يحول دونه.

وهكذا جعل الإسلام المجتمع الإسلامي كله أشبه بمنظمة عامة لحقوق الإنسان، وبذلك تجنب المجتمع الإسلامي - رغم سعته الهائلة - التناحر الفئوي المتمثل في تشكيل مجموعات ضغط كالنقابات والأحزاب والجمعيات لكل فئةٍ أو حرفةٍ أو طبقةٍ فضلًا عن الصراع بين الجنسين!!

كما تجنب كثيرًا من التوتر في العلاقات الدولية الذي طالما انتج حروبا أنهكت كلا طرفيها. إن أممًا كثيرة هاجمت الحضارة الإسلامية ولكنها احتوت المهاجمين حتى ذابوا فيها وأصبحوا جزأً من كيانها!!

وأمة هذه شريعتها وتلك حضارتها لابد أن تكون أبعد ما يكون عن"الثيوقراطية"التي غطت أوروبا في عصورها الوسطى.

ذلك أن"الثيوقراطية"من حيث هي ادعاءٌ للتفويض عن الله - في القتل كما حدث للجويلف والجبلِّيين [1] وللمسلمين باسم الحروب الصليبية - وفي التشريع الديني والاجتماعي للبشر: هي في الإسلام كفر بالله ممن آمن بها، وعدوان على خصائص الألوهية ممن ادعاها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ليس إلا مبلغًا عن الله بل هو يصرح تصريحًا قاطعًا بأنه يجتهد في أحكامه وقد يطابق حكمه عين العدل واقعيًا وقد لا يطابق، فهو صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، ومن ثم فالمسؤولية ليست عليه بل على الظالم من الخصمين. وربما على المحق العاجز أيضًا:

(( إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من النار ) ) [2]

ومن هنا يصبح الحديث عن مزايا العلمانية الأمريكية في مقابل"الثيوقراطية"لا معنى له إذا تعلق الأمر بالإسلام، فكل تلك المزايا قد جاء الإسلام بمثلها أو أفضل، وحث عليها ضمن دعوته العامة للبحث عن الحق أنى كان، ومحاربة الخرافة والتقليد الأعمى والتعصب للرأي، ونبذ الطغيان والاستبداد في أي صورة، كل

(1) مجموعتان أوربيتان تعرضتا لإبادة وحشية على يد أتباع البابا، حادثتهما مشهورة في التاريخ الأوربي.

(2) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت