ذلك مع استبقاء أعظم نعمة لله على عباده، وأعظم مكتسب إنساني: وهو الإيمان بالله واتباع شريعته العالمية العادلة الكاملة.
يمكن أن تكون العلمانية أهون الشرين بالنسبة للغرب، لكن أيا من أسبابها لا وجود له في الإسلام، وكل الأجوبة الثلاثة التي أوردها الخطاب لحل معضلة العلاقة بين الدين والمجتمع لا تزيد عن كونها كشفًا لوجه ما من وجوه المعضلة في حين أنه ليس في الإسلام معضلة أصلًا!
وهكذا كانت الحضارة الإسلامية حاوية لنماذج حضارية متنوعة _ لكن متسقة _ ليس في عصور الإسلام الزاهرة فقط، بل حتى في العصور الأخيرة، وبكل تواضع.
فلم يحدث أن أحدًا منها ادعى أنه يمثل نهاية التاريخ ولا تمثيل القيم الكونية، بل كانت هذه القيم سارية في الكيان العام للأمة كما يسير الدم في الجسد.
ولنأخذ كلا من الهند وأسبانيا مثلا، حيث كانت المبادئ الأساسية لا تزال محفوظة هنا وهناك، رغم النزول الشديد عن قمة العدل الراشدي.
لقد حكم المسلمون الهند ثمانية قرون، وكان من حكامهم الصالح والطالح لكن الناس كلهم كانوا متساوين فيما كفلت الشريعة لهم من حقوق. أحرارًا فيما يعتقدون، لم يحدث فيها إرغام هندوسي ولا غيره على تغيير معتقده، وكان قدرٌ من التآلف الاجتماعي عجزت عن تحقيق مثله الحكومة البريطانية، ومن بعدها حكومة حزب المؤتمر العلمانية، العجز الذي أدى إلى وصول المتطرفين الهندوس إلى الحكم وارتكاب الفظائع ضد المساجد والكنائس سواءً، بل جعل الهندوس أنفسهم يعانون من انقسام خطير.
أما في أسبانيا حيث كان للحضارة طراز آخر فغني عن البيان، ما كانت تعيشه الحرية الدينية والعلمية من ازدهار في مقابل التعصب الشديد في أوروبا المجاورة. ويكفي هنا الإشارة إلى محاكم التفتيش الكاثوليكية التي أعقبت سقوط الحضارة الإسلامية هناك. والإبادة الكاملة للشعب المتحضّر على أيدي الذين تعلموا منه أصول الحضارة.
ولعل من المناسب ذكر النموذج الذي يعده كثير من المسلمين وغيرهم الأسوأ في تاريخ الإسلام وهو النموذج التركي.
إنه النموذج الذي كان"مارتن لوثر"يضرب به المثل لحرية الاعتقاد في مقابل الطغيان الأعمى للبابوية. ... لقد أدهشه كيف أن المواطن التركي ممكن أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وليس مسلمًا فحسب، وكيف أن كل مسلم يقرأ القرآن في حين يحتكر البابا تفسير الإنجيل ويحظر ترجمته.
ومن هنا استلهم قائمة الاحتجاج (95بندًا) التي علَّقها على كنيسة"ويتنبرج"وأصبحت تمثل العقيدة البروتستانتية التي قامت الولايات المتحدة الأمريكية على أساسها.