فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 80

وقد كانت استانبول مركزًا حضاريًا عالميًا تتعايش فيه كل الأديان والأفكار، ولم يكن الرقي العمراني وحده الذي بهر السفراء والرحالة الغربيين - ولا يزال كذلك حتى الآن - بل الرقي الأخلاقي والحضاري أيضا [1] .

وحسبنا أن نعلم أن أسوأ مراحل العنف والتسلط وإهدار حقوق الإنسان في تركيا مرتبطة بالتخلي عن الشريعة، واقتفاء أثر الغرب في القومية والقوانين الوضعية، وانتهاج العلمانية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى الآن، ومع ذلك فتركيا العلمانية هي الحليف الاستراتيجي الثاني لأمريكا بعد إسرائيل.

وبصفة عامة نقول إن العدل الإسلامي والقيم الإسلامية كلها ليست مؤسسة على رأي فيلسوفٍ ولا نظر سياسي. بل هي قائمة على اقتفاء أثر الأنبياء الكرام _ لاسيما إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام _ وحسبها ذلك لتكون هي القيم الكونية حقا. ومن هنا يجب على كل إنسان أن يكون مسلما في أخلاقه، سواءً أكان من المسلمين أم من النصارى أم من اليهود أم من غيرهم.

إن الفرق بين القيم الإسلامية وبين ما أقره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كبير جدًا، فالإسلام لا يجعل الكرامة، والحرية، والعدل، والمساواة الشرعية، والتعليم، والتداوي، والاكتفاء المعيشي ... حقوقًا تجوز المطالبة بها، بل جعلها واجبة محتمة التحقيق من المطالِب والمطالَب، بل يجب على الناس الآخرين أن يسعوا لإلزام الطرفين بها، وتذكير ذي الحق بحقه إن نسيه، والاحتجاج على الطرف الآخر إن رفضه.

وفي مقابل العبارات المجملة والإشارات الغامضة عن القيم في كلام المؤسسين الأمريكيين، وكتبَة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وغيرهم من الفلاسفة الاجتماعيين منذ عصر التنوير الأوربي حتى الآن، وفي مقابل خلو الدستور الأمريكي من الحديث عن العلاقات الدولية والسياسية الخارجية، لأنه لا يزيد عن كونه وثيقة تحالف محلِّية، في مرحلة مخصوصة لشعب منعزل لم تكتمل ملامحه - ومثل هذا لا يكون أبدا كونيا-نقول: في مقابل هذين نجد في كتاب الله"القرآن"مئات من الآيات البينات المحكمات، تحدد بدقة وتفصيل القيم التي يجب على الناس كلهم تحقيقها تعبدًا لله - لا رياء ولا ادعاء -وسوف يحاسبهم على ذلك يوم القيامة، نختار منها:-

1. {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء:70)

(1) انظر على سبيل المثال: كتاب السير"بول ريكو"الذي يعد من أشهر الكتب الكلاسيكية في أدب الرحلات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت