9)لولا التنازع والتمزق لما تسنى لأحد أن يملي على الأمة ويفرض عليها خيارات تخالف دينها ومصالحها ومستقبلها، لكن ما حيلة الضعيف إلا أن يخضع لإرادة الأقوياء، ومن خلال ذلك مررت ما يسمى بمشاريع التسوية الظالمة والهاضمة للحقوق في فلسطين والبوسنة والعراق والسودان وغيرها، فتقدم التنازلات، وتنتزع الاعترافات، بل وأحيانًا تقدم المبادرات والتبرعات لاسترضاء العدو الغاشم، أو للحصول على صك البراءة من تهمة الإرهاب ونحوه، ولسان الحال يقول:
فليتك تحلو والحياة مريرة ... ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ... ... وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين ... ... وكل الذي فوق التراب تراب
(10) التنازع والتفرق يُشغل الأمة عن همومها العظام، وتحدياتها الجسام، وتستمرئ الأمة حربًا طاحنة فيما بينها، حتى يأكل بعضها بعضًا، ويلعن بعضها بعضًا، كان الأولى أن توجه هذه الجهود والطاقات نحو البناء والتنمية ومواجهة الأعداء الذين يدورون حول الأسوار ويلوذون بالأبواب؛ يتحينون الفرص، ويرقبون الصيد، عسى أن يفوزوا منه بغفلة..
فمن الخيانة للأمة أن يُحمى الوطيس، وتُنصب المناجيق، ويتقاذف الناس بكلمات هي أشد من الحجارة، وأنكى من السهام من أجل مسائل تحتمل أكثر من وجه وتقبل أكثر من تفسير، فهي من مسائل الاجتهاد، التي دلت على سعة هذا الدين ومرونته، المصيب فيها مأجور والمخطئ فيها معذور، وخطؤه فيها مغفور، بل هو ــ بنص الحديث ــ مأجور.
لهذا كان من الواجب على الدعاة والمفكرين الإسلاميين أن يشغلوا جماهير المسلمين بهموم أمتهم الكبرى، ويلفتوا أنظارهم وعقولهم وقلوبهم إلى ضرورة التركيز عليها والتنبيه لها، والسعي الجاد ليحمل كل فرد جزءًا منها، وبذلك يتوزع العبء الثقيل على العدد الكبير، فيسهل القيام به [1] .
(1) انظر: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم للدكتور يوسف القرضاوي ص: 84 ــ 85.